الموقع البلوتوث  الاخبار    القروب    البوم الصور العاب افلام    مركز التحميل توبيكات   خدمة البريد   الزخرفة   الاسرة المسلمة   اتصل بنا

إظهار / إخفاء النص مساحة إعلانيه
ينتهي الاعلان بتاريخ 10-10-2008                ينتهي الاعلان بتاريخ 15-11-2008

بداية الاعلان 15-10-2008               ينتهي الاعلان بتاريخ 21-6-1429

بداية الاعلان  بتاريخ 20-11-2008               ينتهي الاعلان بتاريخ 15-10-2008

ينتهي الاعلان بتاريخ 13-9-2008              البداية 22-11-2008

استرجاع كلمة المرور المفقودة طلب كود تنشيط العضوية تنشيط العضوية
العودة   منتديات مزايين > المنتديات العامة > مواضيع مميزة

الملاحظات

مواضيع مميزة تميز, مواضيع, مميزه, مميزة, عنوان التميز, كن معنا بمواضيعنا واعضائنا واخبار مجلتنا .. فالابداع مستمر والتميز لا يقف عند حد

البداية 5-11-2008

الإهداءات
حمـــــودي من انواع واشكال الجوووع : افااا ,, كت كات ما تفقنا على كذا هع هع اوكي من عنــونــي عاشق نت من الغرفة : صباح الليل كيفكم بخيرر .!.Kit..Kat.!. من حمودي انت اصلاً يبغا لك جلد مع خشمك : يالدب حاطني سبيل هاه كل ما جيت تنزل موضوع حطيتني اول ضحيه خخخخخخخخخخ يالله انا اختارك بعدي الضحيه الثانيه هع هع حمـــــودي من تـــخــيــل شــكل الأعـضـاء : يلا نزلت الضحيه الاولى .. حمـــــودي من قسم الـــرجه و الهــبال : موضوع كيف تتخيل شكل الأعضاء ,, قداامي لو سمحتواا لهــــــنــاكـ حمـــــودي من صـــبـــاح الــورد : هلا بالمزايين ,, شخباركم..؟ .!.Kit..Kat.!. من وه خييييبه : كان حاااسني قلبي ان فهد بيسوي نكبه ويختارين بس قلت يا بنت تعوذذي من ابليس هههههههههه هين مردوده بو مشاري نـواري من كت كات .. kit kat : حياج عزيزتي kit kat في موضوع > ::: لعبة التجسس على جهاز العـضو ::: تراج ضيفه ويانا واللي حاب يشارك حياه في قسم الصور .. ويطلب اللي يبغي يشوفه في كمبيوتر ضيفتنا ased من للغالين.. : للغالين.. لكل الاخوان والاخوات اعضاء منتداناء الغالين عساكم على القوه ولكل غايب ان يعود انشاء الله سالم غانم....اخوكم اسد حمـــــودي من الراحله بصمت : واااااااااو .. الله يعينك ,, والله ماشي الحال الراحله بصمت من حمــودي : هلا حمودي ..الدوام 12 ساعه كل يومي مستشفى ... بشر كيف الجامعه وياكـ؟؟ حمـــــودي من الــراحـــلــه بـصـمـت : الحمد لله على سلامتك .. وين الغيبات .. والله يكون بعووونك ياربـ الراحله بصمت من وحشتووووووني..! : مرحبا جميعاً..كيفكم..وحشتوني بالحيل ..السمووحه ع التقصير بس الظروووف تحكم ased من ‏ كــيــــــف أحــــــــــــزن : كــيــــــف أحـــــــزن وأنـــت ربـــي كيف احزن وأنت ربـــــي كيف احزن و همي له رب إن أصابني جعلت لي في التقوى منه مخرجا حمـــــودي من غووورفتي : هلا با أحلـــــى مزايين في الــعــالـم ,, شخباركم..؟ خوي القمر من اهداء للكل : انا بريق الشاي بوزي كده ايدي كده اصب الشاي وارجع كده .. شرايكم بالشعر عاشق نت من البيت : مساء الخير كيف الحال شلونكم بخيرر نـواري من قسم الصور .. ::: لعبة التجسس على جهاز العـضو ::: : حياكم يا أعضاء ويا مشرفين لقسم الصور .. ضيفنا اليوم المشرف فهد المشاري اتفضلو واطلبو اللي تبون تشوفونه في كمبيوتره ههههههه عاشق نت من غورفتي : سلاااااااااام صباح الليل ع الجميع المحقق السري من منتدى النقاش : مرحبا يا مزايين ... الرجاء من الجميع التوجه الي قسم النقاش لمناقشة مووضوع الرابح الاكبر

تفسير سور القرآن أرجوا التثبيت

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-08-2007, 12:57   #21
كـبـريـاء
• .+[ عضو مميز ]+. •
 
الصورة الرمزية كـبـريـاء" 
		border="0" /></a>
    </div>
   
   			<p align=






كـبـريـاء غير متواجد حالياً

كـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكبار

افتراضي

مظاهر البر الحقيقي


{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(177)}.



{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} أي ليس فعلُ الخير وعملُ الصالح محصوراً في أن يتوجه الإِنسان في صلاته جهة المشرق أو المغرب {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} أي ولكنَّ البِرَّ الصحيح هو الإِيمان بالله واليوم الآخر {وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} أي وأن يؤمن بالملائكة والكتب والرسل {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} أي أعطى المال على محبته له ذوي قرابته فهم أولى بالمعروف {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} أي وأعطى المال أيضاً لليتامى الذين فقدوا آباءهم والمساكين الذين لا مال لهم، وابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله {وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ} أي الذين يسألون المعونة بدافع الحاجة وفي تخليص الأسرى والأرقاء بالفداء {وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} أي وأتى بأهم أركان الإِسلام وهما الصلاة والزكاة {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} أي ومن يوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود {وَالصَّابِرِينَ} منصوب على الاختصاص أو المدح {فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} أي الصابرين على الشدائد وحين القتال والذين صدقوا في إِيمانهم وأولئك هم الكاملون في التقوى، وفي الآية ثناء على الأبرار وإيحاء إِلى ما يلاقونه من اطمئنان وخيرتٍ حسان.





سبب النزول:
هناك روايتان في سبب نزول هذه الآية (178): فروي عن قتادة والشعبي وجماعة من التابعين: أنه كان من أهل الجاهلية بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبدُ قومٍ آخرين عبداً لهم، قالوا: لا نقتل به إلا حراً، اعتزازاً بأنفسهم على غيرهم. وإن قتلت لهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل الله هذه الآية، يخبرهم أن العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي.

ثم أنزله الله تعالى في سورة المائدة بعد ذلك: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45].

وروي عن السُّدِّي أنه قال في هذه الآية: اقتتل أهل ملتين من العرب، أحدهما مسلم والآخر معاهد، في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النبي صلى الله عليه وسلم - وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء - على أن يؤدي الحر ديةالحر، والعبد دِيَة العبد، والأنثى دية الأنثى، فقاصَّهم بعضهم من بعض. فنزلت الآية لتأييد حكمه.



القصاص: مشروعيته وحكمته

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(178)وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)}.



{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى} أي فرض عليكم أن تقتصوا من الجاني فقط فإِذا قتل الحرُّ الحرَّ فاقتلوه به، وإِذا قتل العبد العبد فاقتلوه به، وكذلك الأنثى إِذا قتلت الأنثى، مثلاً بمثلٍ ولا تعتدوا فتقتلوا غير الجاني، فإِن أخذ غير الجاني ليس بقصاص بل هو ظلم واعتداء {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أي فمن تُرك له من دم أخيه المقتول شيء، بأن ترك وليُّه القَوَد وأسقط القصاص راضياً بقبول الدية {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} أي فعلى العافي اتباعٌ للقاتل بالمعروف بأن يطالبه بالدية بلا عنفٍ ولا إِرهاق، وعلى القاتل أداءٌ للدية إِلى العافي - ولي المقتول - بلا مطل ولا بخس .

{ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} أي ما شرعته لكم من العفو إِلى الدية تخفيف من ربكم عليكم ورحمة منه بكم، ففي الدية تخفيف على القاتل ونفعٌ لأولياء القتيل، وقد جمع الإِسلام في عقوبة القتل بين العدل والرحمة، فجعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إِذا اسقطوا القصاص عن القاتل وذلك رحمة {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي فمن اعتدى على القاتل طالبوا به وذلك عدل، وشرع الدية إِذا القاتل بعد قبول الدية فله عذاب أليم في الآخرة {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ} أي ولكم - يا أولي العقول - فيما شرعت من القصاص حياةٌ وأيُّ حياة لأنه من علم أنه إِذا قتل نفساً قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله وبذلك تُصان الدماء وتُحفظ حياة الناس {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لعلكم تنزجرون وتتقون محارم الله ومآثمه.



حكم الوصية قبل الموت


{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(180)فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(181)فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(182)}.



{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} أي فرض عليكم إِذا أشرف أحدكم على الموت وقد ترك مالاً كثيراً {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} أي وجب عليه الإِيصاء للوالدين والأقربين {بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} أي بالعدل بأن لا يزيد على الثلث وألا يوصي الأغنياء ويترك الفقراء، حقاً لازماً على المتقين لله وقد كان هذا واجباً قبل نزول آية المواريث ثم نسخ بآية المواريث {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ} أي من غيَّر هذه الوصية بعد ما علمها من وصيّ أو شاهد {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} أي إِثم هذا التبديل على الذين بدّلوه لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فيه وعيد شديد للمبدِّلين .

{فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} أي فمن علم أو ظنَّ من الموصي ميلاً عن الحق بالخطأ {أَوْ إِثْمًا} أي ميلاً عن الحق عمداً {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} أي أصلح بين الموصي والموصَى له فلا ذنب عليه بهذا التبديل {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي واسع المغفرة والرحمة لمن قصد بعمله الإِصلاح.



سبب نزول الآية (184):
أخرج ابن سعد في طبقاته عن مجاهد قال: هذه الآية نزلت في مولاي قيس بن السائب: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فأفطر، وأطعم لكل يوم مسكيناً.



فرضية الصيام

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(184)شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(185)}



{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ناداهم بلفظ الإِيمان ليحرك فيهم مشاعر الطاعة ويُذْكي فيهم جَذْوة الإِيمان {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} أي فرض عليكم صيام شهر رمضان {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أي كما فرض على الأمم قبلكم {لَعَلكُمْ تَتَّقُونَ} أي لتكونوا من المتقين لله المجتنبين لمحارمه {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} أي والصيام أيامه معدودات وهي أيام قلائل، فلم يفرض عليكم الدهر كله تخفيفاً ورحمةً بكم {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي من كان به مرضٌ أو كان مسافراً فأفطر فعليه قضاء عدة ما أفطر من أيام غيرها .

{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} أي وعلى الذين يستطيعون صيامه مع المشقة لشيخوخةٍ أو ضعفٍ إِذا أفطروا عليهم فدية بقدر طعام مسكين لكل يوم {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} أي فمن زاد على القدر المذكور في الفدية {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} ثم قال تعالى {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي والصوم خير لكم من الفطر والفدية إِن كنتم تعلمون ما في الصوم من أجر وفضيلة.

ثم بيّن تعالى وقت الصيام فقال {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} أي والأيام المعدودات التي فرضتها عليكم أيها المؤمنون هي شهر رمضان الذي أبتدأ فيه نزول القرآن حال كونه هداية للناس لما فيه من إِرشاد وإِعجاز وآيات واضحات تفرق بين الحق والباطل {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أي من حضر منكم الشهر فليصمه {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي ومن كان مريضاً أو مسافراً فأفطر فعليه صيام أيام أخر، وكرّر لئلا يتوهم نسخه بعموم لفظ شهود الشهر {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} أي يريد الله بهذا الترخيص التيسير عليكم لا التعسير {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} أي ولتكلموا عدة شهر رمضان بقضاء ما أفطرتم {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} أي ولتحمدوا الله على ما أرشدكم إِليه من معالم الدين {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي ولكي تشكروا الله على فضله وإِحسانه ...



سبب نزول الآية (186):
أخرج ابن جرير الطبري وغيره عن معاوية بن حَيْدة عن أبيه عن جده، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أقريب ربنا، فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت عنه فنزلت الآية: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي..}.



سبب نزول الآية (187):
أخرج أحمد وأبو داود والحاكم عن معاذ بن جبل قال: كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء مالم يناموا، فإذا ناموا، امتنعوا، ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له: قيس بن صِرْمة صلى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب، حتى أصبح، فأصبح مجهوداً، وكان عمر أصاب من النساء بعدما نام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فأنزل الله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ..} إلى قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}.

وهذا يدل على أنه حين فرض الصيام، كان كل إنسان يجتهد فيما يراه أحوط وأقرب للتقوى، حتى نزلت هذه الآية.



إجابة دعوة الداعي وأحكام الصيام


{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(187)}



ثم بيّن تعالى أنه قريب يجيب دعوة الداعين ويقضي حوائج السائلين فقال {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} أي أنا معهم أسمع دعاءهم، وأرى تضرعهم وأعلم حالهم كقوله {ونحن أقرب إِليه من حبل الوريد} {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} أي أجيب دعوة من دعاني إِذا كان عن إِيمانٍ وخشوع قلب {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} أي إِذا كنت أنا ربكم الغني عنكم أجيب دعاءكم فاستجيبوا أنتم لدعوتي بالإِيمان بي وطاعتي ودوموا على الإِيمان لتكونوا من السعداء الراشدين .

ثم شرع تعالى في بيان تتمة أحكام الصيام بعد أن ذكر آية القرب والدعاء فقال {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} أي أبيح لكم أيها الصائمون غشيان النساء في ليالي الصوم {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} قال ابن عباس: هنَّ سكنٌ لكم وأنتم سكنٌ لهن {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ} أي تخونونها بمقارفة الجماع ليلة الصيام وكان هذا محرماً في صدر الإِسلام ثم نسخ.

روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان الرجال يخونون أنفسهم فأنزل الله {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ} الآية {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} أي فقبل توبتكم وعفا عنكم لما فعلتموه قبل النسخ {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي جامعوهن في ليالي الصوم واطلبوا بنكاحهن الولد ولا تباشروهن لقضاء الشهوة فقط {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} أي كلوا واشربوا إِلى طلوع الفجر {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} أي أمسكوا عن الطعام والشراب والنكاح إِلى غروب الشمس {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} أي لا تقربوهن ليلاً أو نهاراً ما دمتم معتكفين في المساجد {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} أي تلك أوامر الله وزواجره وأحكامه التي شرعها لكم فلا تخالفوها {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}أي يتقون المحارم.

سبب النزول:
قال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي، وفي عبدان بن أَشْوَع الحضرمي، وذلك أنهما اختصما إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم في أرض، وكان امرؤ القيس هو المطلوب (المدعى عليه)، وعبدان هو الطالب (المدعي)، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فحكم عبدان في أرضه، ولم يخاصمه.

وقال سعيد بن جبير: إن امرأ القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الحضرمي، اختصما في أرض، وأراده امرؤ القيس أن يحلف، ففيه نزلت: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}.



أكل الأموال بالباطل


{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(188)}



{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} أي لا يأكل بعضكم أموال بعض بالوجه الذي لم يبحه الله {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} أي تدفعوها إِلى الحكام رشوة {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ} أي ليعينوكم على أخذ طائفة من أموال الناس بالباطل {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم مبطلون تأكلون الحرام.



سبب النزول:
قال ابن عباس: إن معاذ بن جبل وثعلبة بن غَنَم - وكانا من الأنصار - قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ويعظم، ثم لا يزال ينقص ويدِقّ، حتى يعود كما كان، لا يكون على حالة واحدة كالشمس، فنزلت هذه الآية. ويروى أيضاً أن اليهود سألت عن الأهلة.



التوقيت بالشهر القمري وحقيقة البِرّ


{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(189)}.



{يسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ} أي يسألونك يا محمد عن الهلال لم يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يعظم ويستدير ثم ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟ {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} أي فقل لهم إِنها أوقات لعباداتكم ومعالم تعرفون بها مواعيد الصوم والحج والزكاة {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} أي ليس البر بدخولكم المنازل من ظهورها كما كنتم تفعلون في الجاهلية {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} أي ولكنَّ العمل الصالح الذي يقرّبكم إلى الله تعالى هو اجتناب محارم الله {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} ادخلوها كعادة الناس من الأبواب {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي اتقوا الله لتسعدوا وتظفروا برضاه.



سبب النزول:
قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ..} الآية. قال ابن عباس فيما أخرجه الواحدي: نزلت هذه الآيات في صلح الحُدَيْبِيَة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صُدَّ عن البيت هو وأصحابه، نحر الهَدْي بالحُدَيْبِيَة، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه، ثم يأتي القابل، على أن يُخْلُوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء. وصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان العام المقبل، تجهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدّوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يعني قريشاً.

وقوله: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} الآية، قال قتادة فيما أخرجه الطبري: أقبل نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذي القعدة، حتى إذا كانوا بالحديبية، صدَّهم المشركون، فلما كان العام المقبل دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القعدة، وأقاموا بها ثلاث ليال، وكان المشركون قد فَجَروا عليه حين ردّوه يوم الحديبية، فأقصّه الله تعالى منهم، فأنزل: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} الآية.

وقوله: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ..} الآية، قال الشعبي: نزلت في الأنصار، أمسكوا عن النفقة في سبيل الله تعالى، فنزلت هذه الآية، وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: كانت الأنصار يتصدقون ويطعمون ما شاء الله، فأصابتهم سَنَة (قحط)، فأمسكوا، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.

وروى البخاري عن حذيفة قال: نزلت الآية في النفقة. وأخرج أبو داود والترمذي وصححه، وابن حبان والحاكم وغيرهم،عن أبي أيوب الأنصاري قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعزّ الله الإسلام، وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرّاً: إنّ أموالنا قد ضاعت، وإنّ الله قد أعزّ الإسلام، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله يردّ علينا ما قلنا: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، فكانت التهلكة: الإقامة على أموالنا وإصلاحها وتركنا الغزو.



قواعد القتال في سبيل الله


{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(190)وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(191)فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(192)وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَ عَلَى الظَّالِمِينَ(193)الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194)وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(195)}



{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أي قاتلوا لإِعلاء دين الله من قاتلكم من الكفار {وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أي لا تبدءوا بقتالهم فإِنه تعالى لا يحب من ظلم أو اعتدى، وكان هذا في بدء أمر الدعوة ثم نسخ بآية براءة {وقاتلوا المشركين كافة} وقيل نسخ بالآية التي بعدها وهي قوله {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أي اقتلوهم حيث وجدتموهم في حلّ أو حرم {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أي شرّدوهم من أوطانهم وأخرجوهم منها كما أخرجوكم من مكة {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ} أي فتنة المؤمن عن دينه أشدُّ من قتله، أو كفر الكفار أشد وأبلغ من قتلكم لهم في الحرم، فإِذا استعظموا القتال فيه فكفرهم أعظم {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} أي لا تبدءوهم بالقتال في الحرم حتى يبدءوا هم بقتالكم فيه {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} أي إِن بدءوكم بالقتال فلكم حينئذٍ قتالهم لأنهم انتهكوا حرمته والبادي بالشر أظلم {كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} أي هذا الحكم جزاء كل من كفر بالله {فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي فإِن انتهوا عن الشرك وأسلموا فكفّوا عنهم فإِن الله يغفر لمن تاب وأناب .

{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} أي قاتلوا المحاربين حتى تكسروا شوكتهم ولا يبقى شرك على وجه الأرض ويصبح دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان {فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ} أي فإِن انتهوا عن قتالكم فكفوا عن قتلهم فمن قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إِلا على الظالمين، أو فإِن انتهوا عن الشرك فلا تعتدوا عليهم ثم بيّن تعالى أن قتال المشركين في الشهر الحرام يبيح للمؤمنين دفع العدوان فيه فقال {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} أي إِذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام، فكما هتكوا حرمة الشهر واستحلوا دماءكم فافعلوا بهم مثله {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} أي ردوا عن أنفسكم العدوان فمن قاتلكم في الحرم أو في الشهر الحرام فقابلوه وجازوه بالمثل {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} أي راقبوا الله في جميع أعمالكم وأفعالكم واعلموا أن الله مع المتقين بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} أي أنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه القربات ولا تبخلوا في الانفاق فيصيبكم الهلاك ويتقوى عليكم الأعداء وقيل معناه: لا تتركوا الجهاد في سبيل الله وتشتغلوا بالأموال والأولاد فتهلكوا {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} أي أحسنوا في جميع أعمالكم حتى يحبكم الله وتكونوا من أوليائه المقربين.



سبب النزول:
سبب نزول قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}: أخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم متضمخ بالزغفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ فأنزل الله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فقال: أين السائل عن العمرة، قال: ها أنذا، فقال له: ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت صانعاً في حجك، فاصنعه في عمرتك.

وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا}: روى البخاري عن كعب بن عُجْرَة أنه سُئل عن قوله: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ} قال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قال: قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك، فنزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة.

وروى مسلم عن كعب بن عُجْرة قال: فيَّ أنزلت هذه الآية، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أدنه، فدنوت مرتين أو ثلاثاً، فقال: أيؤذيك هوامُّك؟ قال ابن عون، وأحسبه قال: نعم، فأمرني بصيام، أو صدقة، أو نسك ما تيسر".



أحكام الحج والعمرة


{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(196)الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ(197)}



{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} أي أدوهما تأمين بأركانها وشروطها لوجه الله تعالى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي إِذا منعتم من إِتمام الحج أو العمرة بمرضٍ أو عدوٍ وأردتم التحلل فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة أو بقرةٍ أو شاة .

{وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} أي لا تتحللوا من إِحرامكم بالحلق أو التقصير حتى يصل الهدي المكان الذي يحل ذبحه فيه وهو الحرم أو مكان الإِحصار {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} أي فمن كان منكم معشر المحرمين مريضاً يتضرر معه بالشعر فحلق، أو كان به أذى من رأسه كقملٍ وصداعٍ فحلق في الإِحرام، فعليه فدية وهي إِما صيام ثلاثة أيام أو يتصدق ثلاثة آصع على ستة مساكين أو يذبح ذبيحة وأقلها شاة {فَإِذَا أَمِنتُمْ} أي كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإِحصار آمنين {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ} أي من اعتمر في أشهر الحج واستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطيب والنساء وغيرها، فعليه ما تيسّر من الهدي وهو شاة يذبحها شكراً لله تعالى.

{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أي من لم يجد ثمن الهدي فعليه صيام عشرة أيام، ثلاثة حين يحرم بالحج وسبعة إِذا رجع إِلى وطنه {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} أي عشرة أيام كاملة تجزئ عن الذبح، وثوابها كثوابه من غير نقصان {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي ذلك التمتع أو الهّدْي خاص بغير أهل الحرم، أما سكّان الحرم فليس لهم تمتع وليس عليهم هدي {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي خافوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه واعلموا أن عقابه شديد لمن خالف أمره.

ثم بيّن تعالى وقت الحج فقال {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} أي وقت الحج هو تلك الأشهر المعروفة بين الناس وهي شوال وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} أي من ألزم نفسه الحجَّ بالإِحرام قاصد لرضاه، فعليه أن يترك الشهوات، وأن يترك المعاصي والجدال والخصام مع الرفقاء {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} أي وما تقدموا لأنفسكم من خير يجازيكم عليه الله خير الجزاء {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} أي تزودوا لآخرتكم بالتقوى فإنها خير زاد {وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} أي خافون واتقوا عقابي يا ذوي العقول والأفهام.

سبب النزول:
نزول الآية (198):

روى البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومِجَنَّة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتاثَّموا أن يتَجروا في المواسم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} أي في موسم الحج.

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير الطبري والحاكم وغيرهم من طرق عن أبي أمامة التيمي قال: "قلت لابن عمر: إنا نَكْرِي (أي نُؤَجر الدواب للحجاج)، فهل لنا من حج؟ فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يُجِبه، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ..} فدعاه النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم حجاج".



نزول الآية (199):
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كانت العرب تقف بعرفة، وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة، فأنزل الله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}.



نزول الآية (200):
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، يقول الرجل منهم: كان أبي يُطعِم، ويحمل الْحَمَالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير أفعال آبائهم، فأنزل الله: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} الآية.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كانوا إذا قضوا مناسكهم، وقفوا عند الجمرة، وذكروا آباءهم في الجاهلية، وفعال آبائهم، فنزلت هذه الآية، حتى إن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القُبَّة، عظيم الْجَفْنة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية، ليُلزِموا أنفسَهم ذكرَ الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية.



نزول آخر الآية (200) والآيتين (200-201):
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاء وحسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل الله فيهم: {فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} ويجيء آخرون من المؤمنين، فيقولون: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً..} إلى قوله: {سَرِيعُ الْحِسَابِ}.



جواز التجارة للحاجِّ ، والأمر بذكر الله تعالى كثيراً ، ورفع الحرج عمّن تعجَّل بالنفر من مِنى


{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ(198)ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(199)فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ(200)وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(201)أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(202)وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(203)}


{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} أي لا حرج ولا إِثم عليكم في التجارة في أثناء الحج فإِن التجارة الدنيوية لا تنافي العبادة الدينية، وقد كانوا يتأثمون من ذلك فنزلت الآية تبيح لهم الاتجار في أشهر الحج {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} أي إِذا دفعتم من عرفات بعد الوقوف بها فاذكروا الله بالدعاء والتضرع والتكبير والتهليل عند المشعر الحرام بالمزدلفة {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} أي اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة، واشكروه على نعمة الهداية والإِيمان فقد كنتم قبل هدايته لكم في عداد الضالين، الجاهلين بالإِيمان وشرائع الدين .

{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} أي ثمّ انزلوا من عرفة حيث ينزل الناس لا من المزدلفة، والخطاب لقريش حيث كانوا يترفعون على الناس أن يقفوا معهم وكانوا يقولون: نحن أهل الله وسُكّان حرمه فلا نخرج منه فيقفون في المزدلفة لأنها من الحرم ثم يفيضون منها وكانوا يسمون "الحُمْس" فأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفة ثم يقف بها ثم يفيض منها {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي استغفروا الله عمّا سلف منكم من المعاصي فإِن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة .

{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} أي إِذا فرغتم من أعمال الحج وانتهيتم منها فأكثروا ذكره وبالغوا في ذلك كما كنتم تذكرون آباءكم وتعدون مفاخرهم بل أشدّ، قال المفسرون كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل بعد قضاء المناسك فيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم فأمروا أن يذكروا الله وحده {فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} أي من الناس من تكون الدنيا همّه فيقول: اللهم اجعل عطائي ومنحتي في الدنيا خاصة وما له في الآخرة من حظ ولا نصيب {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً} أي ومنهم من يطلب خيري الدنيا والآخرة وهو المؤمن العاقل، وقد جمعت هذه الدعوة كل خيرٍ وصرفت كل شر، فالحسنة في الدنيا تشمل الصحة والعافية، والدار الرحبة، والزوجة الحسنة، والرزق الواسع إلى غير ما هنالك والحسنة في الآخرة تشمل الأمن من الفزع الأكبر، وتيسير الحساب، ودخول الجنة، والنظر إلى وجه الله الكريم إلخ {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أي نجّنا من عذاب جهنم {أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} أي هؤلاء الذين طلبوا سعادة الدارين لهم حظ وافر مما عملوا من الخيرات والله سريع الحساب يحاسب الخلائق بقدر لمحة بصر.

{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} أي كبروا الله في أعقاب الصلوات وعند رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} أي من استعجل بالنفر من منى بعد تمام يومين فنفر فلا حرج عليه {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} أي ومن تأخر حتى رمى في اليوم الثالث - وهو النفر الثاني فلا حرج عليه أيضاً {لِمَنِ اتَّقَى} أي ما ذكر من الأحكام لمن أراد أن يتقي الله فيأتي بالحج على الوجه الأكمل {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي خافوا الله تعالى واعلموا أنكم مجموعون إِليه للحساب فيجازيكم بأعمالكم.



سبب النزول:
روى ابن جرير عن السُّدِّي في نزول الآيات (204-206): أن الأخنس بن شُرَيق الثقفي أتى النبَّي صلى الله عليه وسلم، وأظهر له الإسلام، ثم خرج، فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وحُمُر، فأحرق الزرع، وعقر (قتل) الحمر، فأنزل الله الآية.

وقال سعيد بن المسيِّب - فيما يرويه الحارث بن أبي أسامة في مسنده وبن أبي حاتم -: أقبل صهيب الرومي مهاجراً إلى النبَّي صلى الله عليه وسلم، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتشل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش: لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأيم الله، لا تصلون إليّ حتى أرمي كل سهم معي في كنانتي، ثم أضرب بسيفي، ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على ما لي بمكة، وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبَّي صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: "ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع"، ونزلت الآية: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ..}.



من الناس منافق ومخلص


{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ(204)وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205)وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ(206)وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(207)}

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} أي ومن الناس فريق يروقك كلامه يا محمد ويثير إِعجابَك بخلابة لسانه وقوة بيانه، ولكنه منافق كذّاب {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي في هذه الحياة فقط أما الآخرة فالحاكم فيها علاّم الغيوب الذي يطّلع على القلوب والسرائر {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} أي يظهر لك الإِيمان ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} أي شديد الخصومة يجادل بالباطل ويتظاهر بالدين والصلاح بكلامه المعسول {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} أي وإِذا انصرف عنك عاث في الأرض فساداً، وقد نزلت في الأخنس ولكنها عامة في كل منافق يقول بلسانه ما ليس في قلبه

"يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغُ الثعلب"
{وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} أي يهلك الزرع وما تناسل من الإِنسان والحيوان ومعناه أن فساده عام يشمل الحاضر والباد، فالحرث محل نماء الزروع والثمار، والنسل هو نتاج الحيوانات التي لا قوام للناس إِلا بهما، فإِفسادهما تدمير للإِنسانية {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} أي يبغض الفساد ولا يحب المفسدين.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْه الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} أي إِذا وُعظ هذا الفاجر وذكَّر وقيل له انزع عن قولك وفعلك القبيح، حملته الأنفة وحميَّةُ الجاهلية على الفعل بالإِثم والتكبر عن قبول الحق، فأغرق في الإِفساد وأمعن في العناد {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} أي يكفيه أن تكون له جهنم فراشاً ومهاداً، وبئس هذا الفراش والمهاد .

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} هذا هو النوع الثاني وهم الأخيار الأبرار، فبعد أن ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة أتبعه بذكر صفات المؤمنين الحميدة والمعنى ومن الناس فريق من أهل الخير والصلاح باع نفسه لله، طلباً لمرضاته ورغبةً في ثوابه لا يتحرى بعمله إلا وجه الله {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} أي عظيم الرحمة بالعباد يضاعف الحسنات ويعفو عن السيئات ولا يعجل العقوبة لمن عصاه.



يتبع >>>>>>>>>>>>












البداية 9-10-2008

التوقيع





ومـا لجـرح ٍ بـمـّيـت ٍ إيـــلام ُ

كـبـريـاء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-08-2007, 01:02   #22
كـبـريـاء
• .+[ عضو مميز ]+. •
 
الصورة الرمزية كـبـريـاء" 
		border="0" /></a>
    </div>
   
   			<p align=






كـبـريـاء غير متواجد حالياً

كـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكبار

افتراضي

الدعوة إلى الدخول في الإسلام
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(208)فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمْ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(209)هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ(210)سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212)}



سبب نزول الآية [208]:
نزلت في عبد الله بن سَلاَم وأصحابه من اليهود لما عظموا السبت وكرهوا الإبل بعد قبول الإسلام، قالوا: يا رسول الله، يوم السبت يوم نعظمه، فدعنا فلنُسِبت فيه، وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل، فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} الآية. هذا ما رواه ابن جرير عن عكرمة.

وروى عطباء عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سَلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فآمنوا بشرائعه وشرائع موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لحمان الإبل وألبانها بعدما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنعمل بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية.



ثم أمر تعالى المؤمنين بالانقياد لحكمه والاستسلام لأمره والدخول في الإِسلام الذي لا يقبل الله ديناً سواه فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} أي ادخلوا في الإِسلام بكليته في جميع أحكامه وشرائعه، فلا تأخذوا حكماً وتتركوا حكماً، لا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا الزكاة مثلاً فالإسلام كلٌ لا يتجزأ، ويريد الله تعالى بهذه الدعوة أن يعصم الناس من فتنة اختلاف أهوائهم، ثم حذرنا الحق جل وعلا من اتباع الشيطان لأنه هو الذي يعمل على إبعادنا عن منهج الله، فقال تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي لا تتبعوا طرق الشيطان وإغواءه فإنه عدوَ لكم ظاهر العداوة، وعداوته لكم قديمة، وقد توعدكم بالإغواء جميعاً، فقال تعالى على لسانه: {لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82-83].

فائدة: ضابط التفريق بين ما يزينه الشيطان وما تزينه النفس: أن النفس تصر على معصية من لون واحد، فهي تريد من صاحبها لوناً واحداً من المعصية يتبع نقصها، كحب تجميع المال من حله وحرامه، أو الركض وراء الجنس وما إلى ذلك. وأما الشيطان فلا يصر على معصية بعينها، فكلما تفطن الإنسان لإغوائه من باب انتقل إلى باب آخر ولون آخر من المعصية حتى يوقع صاحبه، ولا لذا قال تعالى: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان}، فسبله متعددة، فإذا وفّق الله عبده وغلق على الشيطان الباب الذي أتاه منه فلا يطمئن إلى جانبه،وعليه أن ينتظر مجيئه من باب آخر.

{فإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْكُمْ الْبَيِّنَاتُ}، الزلة هي المعصية، وهي مأخوذة من "زال"، وذاك الشيء إذا خرج عن استقامة، فكل شيء له استقامة والخروج عنها يعتبر زللاً وانحرافاً، أي إن انحرفتم عن الدخول في الإسلام من بعد مجيء الحجج الباهرة والبراهين القاطعة على أنه حق {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي اعلموا أن الله غالب لا يعجزه الانتقام ممن عصاه حكيم في خلقه وصنعه {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} أي ما ينتظرون شيئاً، وما الذي يؤجل دخولهم في الإسلام كافة؟ فهل ينتظرون إِلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق حيث تنشق السماء وتظهر آيات الله العظام وأمره وتأتي ظللٍ من الغمام وحملة العرش والملائكة الذين لا يعلم كثرتهم إِلا الله ولهم زجل من التسبيح يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح {وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} أي انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم فريق في الجنة وفريق في السعير، وإِلى الله وحده مرجع الناس جميعاً. والمقصود تصوير عظمة يوم القيامة وهولها وشدتها وبيان أن الحاكم فيها هو ملك الملوك جل وعلا الذي لا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه وهو أحكم الحاكمين. والمراد من هذا الخطاب والتقريع أن ينتهزوا الفرصة ويندفعوا لهذا الدين الحق قبل أن يفوت الأوان.

فائدة: قوله تعالى: {ترجع الأمور} فيها قراءتان بفتح التاء وضمها، فعلى الفتح فإن الأمور تكون مندفعة إلى الله بذاتها، وعلى الضم فإنها تساق إلى سوقاً، فكذلك الإنسان ففاعل الخيرات يرغب في لقاء ربه وينساق إليه، وفاعل الموبقات يكره لقاء الله ولكنه يُساق إليه سوقاً، فمن لم يأت راغباً جاء راهباً.

ثم قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} "كم" هنا كناية عن الإخبار عن الأمر الكثير بخلاف "كم" الاستفهامية. أي سلْ يا محمد بني إِسرائيل - توبيخاً لهم وتقريعاً - كم شاهدوا مع موسى من معجزات باهرات وحجج قاطعات تدل على صدقه، ألم يفلق لهم البحر ونجاهم من فرعون؟ ألم يظللهم الله بالغمام؟ ألم يعطهم الله المنّ والسلوى؟ وغير ذلك من نعمه التي لا تعد ولا تُحصى، ومع ذلك كفروا ولم يؤمنوا، فحل عليهم غضب الله وأخذهم بالسنين وألوان العذاب، {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي من يبدل نعم الله بالكفر والجحود بها فإِن عقاب الله له أليم وشديد، والعقاب كما يكون في الآخرة يكون في الدنيا أيضاً وبألوان شتى وما هذه الزلازل والبراكين والعواصف والأمراض والأزمات وغيرها ببعيد عنا، {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أي زينت لهم شهوات الدنيا ونعيمها حتى نسوا الآخرة وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهافتوا عليها وأعرضوا عن دار الخلود. {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} أي وهم مع ذلك يهزؤون ويسخرون بالمؤمنين يرمونهم بقلة العقل لتركهم ما حرمه الله عليهم من الدنيا وإِقبالهم على الآخرة كقوله {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} قال تعالى رداً عليهم {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي والمؤمنون المتقون لله فوق أولئك الكافرين منزلةً ومكانة، فهم في أعلى علّيين وأولئك في أسفل سافلين، والمؤمنون في الآخرة في أوج العز والكرامة والكافرون في حضيض الذل والمهانة.

فائدة: قال تعالى: {والذين اتقوا فوقهم} ولم يقل {والذين آمنوا فوقهم يوم القيامة} حتى لا يؤخذ الإيمان على أنه اسم مجرد عن مسماه الذي هو الالتزام بمقتضياته، فالدرجة العالية يوم القيامة لا تنال بمجرد الادعاء بل لا بد من التقوى.

{وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي والله يرزق أولياءه رزقاً واسعاً رغداً، لا فناء له ولا انقطاع كقوله {يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} أو يرزق في الدنيا من شاء من خلقه ويوسع على من شاء مؤمناً كان أو كافراً، براً أو فاجراً على حسب الحكمة والمشيئة دون أن يكون له محاسب سبحانه وتعالى.

فائدة: من الخطأ أن نحصر الرزق فيما هو شائع كالمال والأولاد، لأن الزرق يشمل كل ما ينتفع به، فالعلم رزق والخلق رزق، والصبر رزق، والصحة رزق والمكانة في المجتمع رزق وغير ذلك من الأرزاق التي لا تعد ولا تحصى، فمن ابتلى في نوع واحد من الرزق كالمال مثلاً فتضجر ونسي الأرزاق الكثيرة التي متعه الله بها فهو من اللؤماء.



ما يستخلص من الآيات [208-212]:
1- الإسلام كل متكامل لا يقبل التجزء، فمن آمن به وجب عليه أن يلتزم بجميع تعاليمه ونبذ ما سواه مما يتعارض معه، فمن لم يستجب لذلك دخل تحت قوله تعالى: {أفتؤمنون بعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 85].

2- ودل قوله تعالى: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافراً بترك الشرائع.

3- ودل قوله تعالى: {زيّن للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون ...} على أن ميزان التفضيل عند غالبية الناس هو المال والجاه والسلطان، وهو ميزان خاسر لأنه يعود على أصحابه بالخزي في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، وأن ميزان العدل والإنصاف هو ميزان التقوى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وأما المال والجاه والسلطان فقد يرفع صاحبه إذا اقترن بالتقوى وسخر فيما يرضي الله ويخدم عباده، وقد يهوي بصاحبه في أسفل السافلين.

4- ودل قوله تعالى {والله يرزق من يشاء بغير حساب} على أن الله تعالى يعطي الدنيا للمؤمن وللكافر {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء وما كان عطاء ربك محظوراً} [الإسراء: 20] ولكنه تعالى لا يعطي الآخرة إلا للمؤمن الطائع.

وأن تعالى تقسم هذه الدنيا بين عباده كيفما يشاء من غير أن يخضع عطاؤه لمحاسب، فلا يجوز للعبد العاقل أن يعترض على مولاه، لما أعطيت فلاناً وأغدقت عليه بالمال وحرمتني؟

وقد نسي هذا الغفل المسكين أن الله حرمه لوناً واحداً من الرزق لحكمة هي في صالحه، وأغدق عليه بألوان كثيرة من الأرزاق، وأعطى ذلك –الذي ظنه محظوظاً- لوناً واحداً من الرزق وحرمه ألواناً كثيرة لِحِكَم هي في صالحه، نعوذ بالله من أن نعود إلى الكفر بعد الإيمان.



حالة الرسل مع الناس
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(213)أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)}



سبب النزول:

نزول الآية (214):


قال قتادة والسُّدِّي: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق (الأحزاب) حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة، والحر والبرد، وسوء العيش، وأنواع الأذى.

وقال عطاء: لما دخل رسول الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، اشتد الضر عليهم، بأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضاء الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَسَرّ قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله تعالى تطييباً لقلوبهم: {أم حسبتم}.



{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي كانوا على الإِيمان والفطرة المستقيمة فاختلفوا وتنازعوا، وسبب الخلاف هو التنافس على الدنيا، ففي بداية الأمر كانوا أمة واحدة على منهج آدم الذي علمه لذريته، لأنهم كانوا قلائل والأرض واسعة وخيراتها كثيرة ثم بدأ النزع حول أو قضية ذكرها لنا القرآن بين هابيل وقابيل فأراد قابيل أن يستأثر بأخته التي ولدت معه في بطن واحد وهي لا تحل له. فالناس كانوا أمة واحدة ولكنهم اختلفوا لحظة الاستئثار بالمنافع لأجل ذلك بعث الله النبيين ليذكروهم ويردوهم إلى منهج الله القويم. {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي بعث الله الأنبياء لهداية الناس مبشرين للمؤمنين بجنات النعيم ومنذرين للكافرين بعذاب الجحيم {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} أي وأنزل معهم الكتب السماوية لهداية البشرية حال كونها منزلة بين الناس في أمر الدين الذي اختلفوا فيه {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَ الَّذِينَ أُوتُوهُ} أي وما اختلف في الكتاب الهادي المنير المنزل لإِزالة الاختلاف {إلا الذين أوتوه} وهم الذين أرسل الله إليهم رسله وأنزل فيهم كتبه كاليهود والنصارى، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ} أي من بعد ظهور الحجج الواضحة والدلائل القاطعة على صدق الكتاب فقد كان خلافهم عن بيّنة وعلم لا عن غفلةٍ وجهل، ومن هنا نعلم أن الاختلاف لا ينشأ إلا من إرادة البغي، والبغي هو إرادة الإنسان أخذ غير حقه، وبسبب ذلك ينشأ البغض والتنازع. {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} أي ظلماً وحسداً من الكافرين للمؤمنين {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} الهداية من الله ترد على معنيين: الأول هو الدلالة على الطريق الموصل، والثاني هو المعونة.

فالهداية بالمعنى الأول تشمل جميع الناس وبذا نفعهم قوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب بما كانوا يكسبون} أي دلهم الله ولكنهم استحبوا العمى على الهدى.

وبالمعنى الثاني تشمل كل من أذن وأراد السير على الطريق المستقيم الذي بينه الله لعباده، وهؤلاء هم المؤمنون الذين هداهم الله بمعنى أعانهم على سلوك الطريق المستقيم. أي هدى الله المؤمنين للحق الذي اختلف فيه أهل الضلالة بتيسيره ولطفه {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي يهدي من يشاء هدايته إِلى طريق الحق الموصل إِلى جنات النعيم. فلا يبررن أحد ضلاله بأن الله لم يشأ أن يهديه، لأنا نقول له: الهداية نوعان: هداية دلالة وهداية إعانة، فالأولى لكل الناس، والثانية لمن أراد أن يسلك طريق الحق بعد ما بينه الله له، وهي المرادة بقوله {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ثم قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} أي بل ظننتم يا معشر المؤمنين أن تدخلوا الجنة بدون ابتلاءٍ وامتحان واختبار، والعلاقة بين هذه الآية وما سبقها أن بني إسرائيل حسبوا أنهم يدخلون الجنة بدون أي محنة فأراد الله أن ينبه أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن الابتلاء سنة الله في الكون والجنة محفوفة بالمكاره. {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} أي والحال لم ينلكم مثل ما نال من سبقكم من المؤمنين من المحن الشديدة، ولم تُبتلوا بمثل ما ابتلوا به من النكبات، إلى الآن إلا أن هذا النفي متوقع الحدوث فاستعدوا له. {مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} أي أصابتهم الشدائد والمصائب والنوائب {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}؟ أي أزعجوا إِزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة حتى وصل بهم الحال أن يقول الرسول والمؤمنون معه متى نصر الله؟ أي متى يأتي نصر الله وذلك استبطاءً منهم للنصر لتناهي الشدة عليهم، وهذا غاية الغايات في تصوير شدة المحنة، فإِذا كان الرسل - مع علو كعبهم في الصبر والثبات - قد عيل صبرهم وبلغوا هذا المبلغ من الضجر والضيق كان ذلك دليلاً على أن الشدة بلغت منتهاها قال تعالى جواباً لهم {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} أي ألا فأبشروا بالنصر فإِنه قد حان أوانه {ولينصرنَّ الله من ينصره إِن الله لقوي عزيز}.



ما يستخلص من الآيات [213-214]:
1- دلت الآية [213] على أن الناس كانوا أمة واحدة والحرص على الاستئثار بلذات الدنيا فرقهم وشتتهم، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" وقال أيضاً محذراً أصحابه وأمته: "ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم"، وتحصيل لذات الدنيا المباحة شرعاً ليس ممنوعاً شرعاً، وإنما المحظور هو البغي في تحصيلها بأن يتجاوز المرء حقوقه ليلتهم حقوق الآخرين، أو أنه يستخدم ما أكرمه الله به من نعم في الترفع على الناس واحتقارهم واستغلالهم.

2- ودلت أيضاً على سعة رحمة الله بعباده إذ أرسل إليهم رسله وأنبيائه ليذكروهم بطريق الله القويم الذي حادوا عنه وتاهوا في ظلمات أهوائهم ونزعات شهواتهم التي زادتهم شقاء إلى شقاء بسب ما نتج عنها من تحاسد وتدابر وتقاتل وما إلى ذلك.

3- ودل قوله تعالى: {أم حسبتم أن تتركوا ...} على أن هذه الدنيا هي دار ابتلاء واختبار، وأنها لا تصفو لأحد، ولو صفت لأحد لصفت للأنبياء والمرسلين عليهم السلام، فلا بد من التمحيص ليتميز الصادق في إيمانه من المدعي الكاذب، مصداقاً لقوله تعالى: {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت: 1-3].



مقدار نفقة التطوع ومصرفها
{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(215)}



سبب النزول:
قال ابن عباس: نزلت في عمرو بن الْجَمُوح الأنصاري، وكان شيخاً كبيراً ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله، بماذا أتصدق، وعلى من أنفق؟ فنزلت هذه الآية.



{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} أي يسألونك يا محمد ماذا ينفقون وعلى من ينفقون؟ وقد نزلت لمّا قال بعض الصحابة يا رسول الله: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ {قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} أي قل لهم يا محمد اصرفوها في هذه الوجوه، وقوله تعالى {من خير} فيه إشارة إلى أمرين مهمين:

الأول: أن الخير يشمل أشياء كثيرة فمن أعطى ماله فقد أنفق، ومن أعطى علمه فقد أنفق، ومن أعطى ضحى بوقته من أجل الآخرين فقد أنفق، ومن واسى منكوباً مهموماً بكلمة طيبة فقد أنفق، فهي عامة في كل خير، فلو حصر الله الإنفاق في المال فقط لعجز عنه كثير من الناس، ولكنه تعالى وسع الدائرة لتشمل جميع المسلمين.

الثاني: ينبغي أن يكون هذا المنفق مما يصدق عليه بين العقلاء أنه من الخير، "فإن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً" كما جاء في الحديث. {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} أي وكل معروف تفعلونه يعلمه الله وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء. وبناء على ذلك فقدموا المعروف للناس ولا تنتظروا منهم جزاء ولا مدحاً، لأن الله المتفضل عليكم بهذا الخير هو الذي سيجازيكم عليه الجزاء الأولى {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً} [الإنسان: 8-12].



ما يستخلص من الآية [215]:
1- دلت الآية على أن أبواب الخير كثيرة، وبإمكان أي مسلماً ولو كان فقيراً، أن ينفق في سبيل الله من وقت، ومن علمه، ومن بسطة وجهه، ومن صحته وإلى ذلك.

2- ودلت أيضاً على أن الكثير والقليل يستحق به المسلم الثواب عند الله إذا ابتغى بذلك وجه الله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} [الزلزلة: 7].

3- الإنفاق يكون على حسب الأقرب فالأقرب، للآية ولقوله صلى الله عليه وسلم "ابدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك".



فرضية القتال وإباحته في الأشهر الحرم
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(216)يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(217)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَت اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(218)}



سبب نزول الآية (216):
قال ابن عباس: لما فرض الله الجهاد على المسلمين شق عليهم وكرهوا، فنزلت هذه الآية.



سبب نزول الآية (217):
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والبيهقي في سننه عن جندب بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطاً وبعث عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فلقوا ابن الحضرمي، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى فقاتلوهم وقتلوا منهم، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} فسبب نزولها قصة عبد الله بن جحش باتفاق المفسرين.



{كُتِبَ عَليْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} أي فرض عليكم قتال الكفار أيها المؤمنون وهو شاق ومكروه على نفوسكم لِما فيه من بذل المال وخطر هلاك النفس {وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} أي ولكن قد تكره نفوسكم شيئاً وفيه كل النفع والخير {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} أي وقد تحب نفوسكم شيئاً وفيه كل الخطر والضرر عليكم، فلعل لكم في القتال - وإِن كرهتموه - خيراً لأن فيه إِما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر، ولعل لكم في تركه - وإِن أحببتموه - شراً لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر، وقد شرح ابن عطاء الله السكندري رحمه الله هذه الآية بحكمته المشورة: "ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، ولو أدركت حكمة المنع لعرفت أنه عين العطاء" والمعنى أن الله تعالى قد يعطيك شيئاً أنت تراه عطاء ولكنه في حقيقة الأمر منع لأن ذلك الشيء يكون سبباً في حرمانك من أشياء هي أفضل منه، كمن يتمنى الولد فيكرم به فيكون سبباً في شقائه في الدنيا والآخرة، وربما يمنعك الله من شيء فيكون ذلك المنع سبباً في سعادتك في الدنيا والآخرة ولو أعطيته لشقيت، ولو كشف الله لك الحجاب وأدركت حكمة المع لتيقنت أنه عين العطاء وهو السعادة بعينها، فما على المؤمن العاقل إلا أن يأخذ بالأسباب ثم يسلم الأمر لله يفعل به ما يشاء، فهو وحده الذي يعلم ما يُصلحه وما يفسده، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} أي الله أعلم بعواقب الأمور منكم وأدرى بما فيه صلاحكم في دنياكم وآخرتكم فبادروا إِلى ما يأمركم به. وهذا تأكيد منه تعالى لعباده المؤمنين حتى يتيقنوا من تلك الحقيقة ويسلموا الأمر لله تعالى.

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} أي يسألك أصحابك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام أيحل لهم القتال فيه؟ {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} أي قل لهم القتال فيه أمره كبير ووزره عظيم ولكن هناك ما هو أعظم وأخطر وهو {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} أي ومنع مشركي قريش المؤمنين عن دين الله وكفرُهم بالله وصدُّهم عن المسجد الحرام - يعني مكة - وإِخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته، كلُّ ذلك أعظم وزراً وذنباً عند الله من قتل من قاتلكم من المشركين، فإِذا استعظموا قتالكم لهم في الشهر الحرام فليعلموا أنَّ ما ارتكبوه في حق النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أعظم وأشنع {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} أي فتنة المسلم عن دينه حتى يردوه إِلى الكفر بعد إِيمانه أكبر عند الله من القتل. ثم بيّن تعالى أن قتال الكفار للمسلمين مستمر، فقال: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} أي ولا يزالون جاهدين في قتالكم حتى يعيدوكم إِلى الكفر والضلال إِن قدروا، و"إن" تأتي دائماً في الأمر المشكوك فيه، والمعنى: ولن يستطيعوا أبداً أن يردوكم جميعاً عن دينكم، فهم غير راجعين عن كفرهم وعدوانهم، ولذا عليكم أن تحذروا من مكايدهم حتى لا ترجعوا عن دينكم، ومن رجع عن دينه فمصيره: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} أي ومن يستجب لهم منكم فيرجع عن دينه ويرتد عن الإِسلام ثم يموت على الكفر فقد بطل عمله الصالح في الدارين وذهب ثوابه {وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي وهم مخلدون في جهنم لا يخرجون منها أبداً.

فائدة: قد يتساءل بعض الناس عن مصير بعض الكفار الذين قدموا خدمات إنسانية راقية لا يزال العالم ينتفع بها، كيف لا ينالون جزاءهم يوم القيامة على تلك الأعمال النافعة؟ والجواب: أن الذي يعمل عملاً يطلب الأجر ممن عمل له، وهؤلاء لم يضعوا في حسبانهم أن ينالوا الثواب من الله، وإنما كان همهم الإنسانية والشهرة والمجد، وقد أعطتهم الإنسانية الشهرة والمجد والتخليد، وما داموا قد نالوا جزاءهم في الدنيا فلي لهم أن ينتظروا أجرة في الآخرة لأنهم لا يؤمنون بها. ولذا قال فيهم الحق تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [النور: 39].

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي إِن المؤمنين الذين فارقوا الأهل والأوطان وجاهدوا الأعداء لإِعلاء دين الله {أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَت اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي الذين يطمعون أن تصيبهم رحمة الله، فإن قال قائل: أو يقدمون كل تلك الأعمال الجليلة ثم لا يتيقنون من رحمة الله؟ والجواب: أن ليس للعبد عند الله شيء متيقن لأنه لا يدري ما قدمت يداه، أأعماله كاملة أم ناقصة؟ أتاب من جميع ذنوبه أم غفل عن بعضها؟ أتوبته نصوحاً أم لا؟ أأعماله مقبولة أم مردودة؟ فهذا سيد الخلق عليه الصلاة والسلام يقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وعمل لا يرفع ودعاء لا يسمع" [رواه أحمد والحاكم وابن حبان].

إن الإنسان لو عبد الله واشتغل بالطاعة طوال حياته لن يستطيع أن يرد مقابل جزء يسير من النعم التي أكرمه الله بها سابقاً كنعمة الإيجاد والحياه والسمع والبصر وغير ذلك فضلاً عن أن يرد مقابل النعم التي تأتيه لاحقاً لحظة لحظة إلى أن يفارق الحياة، فما أتاه سابقاً فهو فضل زائد عن أعماله وأتاه لاحقاً فهو كذلك، فأنى للعاقل أن يتيقن من رحمة الله تعالى؟ فهذا سيد الخلق عليه الصلاة والسلام يقول: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. فقالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: ولا أنا حتى يتغمدني الله برحمته" [رواه الشيخان وغيرهما].

فعلى العبد العاقل أن يتعلق بالخوف والرجاء ليكون قريباً من رحمة الله تعالى فاللهم عاملنا بفضلك لا بعدلك وبإحسانك لا بميزانك وبجبرك لا بحسابك. {والله غفور رحيم} أي: عظيم المغفرة واسع الرحمة وهي تأكيد لما سبق من أن الإنسان مهما قدم من طاعات فهو مقصر ولا يجبر تقصيره إلا رحمة الله وغفرانه.



ما يستخلص من الآيات [216-218]:
1- دل قوله تعالى: {كُتب عليكم القتال وهو كره لكم{ على أن الإسلام دين يحترم الفطرة الإنسانية ولا يطلب من اتباعه أن يعشوا مثالية أفلاطون، ولذا أقر ما يدور في أنفسهم وإن لم تنطق به ألسنتهم، فبيّن لهم أن الجهاد أمر تكرهه النفوس لما فيه من المشقة عليها، كإخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد إلى الجراح أو الإتلاف وما إلى ذلك ولكن مصالحه أكبر من مفاسده لأنه سبيل العز ودرء الظلم والاستبداد عن البشرية، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: "وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذُلُّوا"، قال عكرمة في هذه الآية: "إنهم كرهوه ثم أحبوه" لما فيه من فضل وثواب لا يعلمه إلا الله.

2- ودل قوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ...} على أن المؤمن العاقل، يجب عليه أن يأخذ بالأسباب ويمتثل أمر ربه ثم يقف بعد ذلك موقف العبد الراضي المسلم بكل ما يقدره له مولاه الكريم الرحيم وإن جاء خلاف ما تشتهيه نفسه لأنه لا يدري حقيقة الخير أين هو، أهو في المنع أم في العطاء، "فربما منعك فأعطاك وربما أعطاك فمنعك ولو أدركت حكمة المنع لعرفت أنه عين العطاء"، كما قالابن عطاء الله رحمة الله.

3- ودل قوله تعالى: {ويسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ...} على حرمة القتال في الشهر الحرام، إلا أن العلماء اختلفوا في نسخها:

أ- فذهب عطاء إلى أنها محكمة غير منسوخة، لأن آية القتال عامة وهذه خاصة والعام لا ينسخ الخاص.

ب- وذهب جمهور العلماء إلى نسخها وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح، والناس في قول الزهري {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] أو {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 22].

4- حكم عمل المرتد الذي تاب قبل موته:

اتفق العلماء على أن من ارتد عن الإسلام ومات على ذلك حبِط جميع عمله، ولكنهم اختلفوا إذا تاب قبل أن يموت.

أ- فذهب الإمام الشافعي إلى أن حبوط العمل مشروط بالموت على الكفر استناداً لقوله تعالى: {ومن يرتدد عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} لأن ظاهر الآية دل على أن الردة لا تحبط العمل حتى يموت صاحبها على الكفر.

ب- وذهب الإمام مالك وأبو حنيفة أن الردة بمفردها تحبط العمل ولو رجع صاحبها إلى الإسلام، لورودها في مواضع عدة مجردة عن اشتراط الموت على ذلك لحبوط العمل، كقوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} [المائدة: 5]، وقوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65]، وقوله: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} [الأنعام: 88]، فهذه الآيات في الردة فقط وقد عُلِّق الحبوط فيها على الشرك، والخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فالمراد به أمته لاستحالة الشرك عليه.

وأما الآية التي استدل به الشافعي {ومن يرتدد منكم عن دينه ...} فرتبت حكمين: الحبوط والخلود في النار، ومن شروط الخلود أن يموت على كفره كما ذكر ابن العربي [أحكام القرآن 1/148].

وتظهر ثمرة الخلاف فيمن حج ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام قبل أن يموت.

فعلى مذهب الشافعي لا يلزمه الحج لأن حجه سبق ردته وقد تاب قبل أن يموت.

وعلى رأي مالك وأبي حنيفة: يلزمه الحج لأن ردته أحبطت جميع أعماله بما في ذلك الحج.



المرحلة الثانية من مراحل تحريم الخمر وحرمة القمار

{يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(219)}



سبب نزول الآية [219]:
نزلت آية {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ..} في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وروى أحمد عن أبي هريرة قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما، فنزلت الآية، فقال الناس: ما حُرِّم علينا، إنما قال: إثمٌ كبير، وكانوا يشربون الخمر، حتى كان يوم، صلى رجل من المهاجرين، وأمَّ الناس في المغرب، فخلّط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]. ثم نزلت آية أغلظ من ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} قالوا: انتهينا ربَّنا".



وأما سبب نزول قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ}: فهو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن نفراً من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ} والسائل هم المؤمنون، وهو الظاهر من واو الجماعة، وقيل: السائل: عمرو بن الجموح. والنفقة هنا: قيل: في الجهاد، وقيل: في الصدقات أي التطوع في رأي الجمهور، وقيل: في الواجب أي الزكاة المفروضة.



{يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الخمر: مأخوذة من خمر الشيء إذا ستره وغطاه، وسمّيت بذلك لأن تستر العقل وتغطيه، والميسر هو القمار، وهو مأخوذ من اليسر وهو السهولة لأنه يحصل لصاحبه مالاً بلا جهد ولا تعب. أي يسألونك يا محمد عن حكم الخمر وحكم القمار {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} أي قل لهم إِن في تعاطي الخمر والميسر ضرراً عظيماً وإِثماً كبيراً، أما الضرر الخمر فهو بيّن ومتعدد، منه أنه يغطي نعمة العقل العظيمة التي امتن الله بها على عباده في مواضع عدة، والإنسان شرف بعقله فإذا غاب عنه تصرف بتصرفات المجانين، ولذا قال عليه الصلاة والسلام "الخمر أم الخبائث" فهي مفتاح الشرور والمفاسد وأضرارها الاجتماعية والصحية لم تعد خافية على القاصي والداني. وأما الميسر فإنه يزرع البغض والحسد بين اللاعبين لحرص كل منهم على أخذها في جيب الآخر بالحيلة والمكر وغالباً ما يؤدي إلى التنازع والشجار وربما إلى القتل، كما أنه يعود اللاعبين على الكسل ونبذ العمل والسعي لتحصيل المال بالطرق اليسيرة كالسرقة والرشوة والتدليس والغش وما إلى ذلك. {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} أي وضررهما أعظم من نفعهما فإِن ضياع العقل وذهاب المال وتعريض البدن للمرض في الخمر، وما يجرُّه القمار من خراب البيوت ودمار الأسر وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، كلُّ ذلك محسوس مشاهد وإِذا قيس الضرر الفادح بالنفع التافه ظهر خطر المنكر الخبيث {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} أي ويسألونك ماذا ينفقون وماذا يتركون من أموالهم؟ قل لهم: أنفقوا الفاضل عن الحاجة ولا تنفقوا ما تحتاجون إِليه فتضيعوا أنفسكم {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} أي كما يبيّن لكم الأحكام يبيّن لكم المنافع والمضار والحلال والحرام {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}.



سبب نزول الآية [220]:
أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال: لما نزلت: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152] و {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} الآية [النساء: 10]، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه، فيجس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى} الآية.



الولاية على مال اليتيم
{فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(220)}



{فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} أي لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة فتعلموا أن الأولى فانية والآخرة باقية فتعملوا لما هو أصلح، والعاقل من آثَر ما يبقى على ما يفنى. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} أي ويسألونك يا محمد عن مخالطة اليتامى في أموالهم أيخالطونهم أم يعتزلونهم؟ فقل لهم: مداخلتهم على وجه الإصلاح خير من اعتزالهم {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} أي إذا خلطتم أموالهم بأموالكم على وجه المصلحة لهم فهم إِخوانكم في الدين، وأخوة الدين أقوى من أخوّة النسب، ومن حقوق هذه الأخوّة المخالطة بالإِصلاح والنفع {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ} أي والله تعالى أعلم وأدرى بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة والإِفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإِصلاح فيجازي كلاً بعمله {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي لو شاء تعالى لأوقعكم في الحرج والمشقة وشدَّد عليكم ولكنه يسّر عليكم الدين وسهّله رحمة بكم {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي هو تعالى الغالب الذي لا يمتنع عليه شيء الحكيم فيما يشرّع لعباده من الأحكام.



سبب النزول:
في رواية: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مِرْثَد بن أبي مِرْثَد الغنوي إلى مكة، ليخرج منها ناساً من المسلمين، وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها: عَنَاق، فأتته، وقالت: ألا تخلو؟ فقال: ويحك، إن الإسلام قد حال بيننا، فقالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال: نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأستأمرُه، فاستأمَرَه، فنزلت".



يتبع >>>>>>>>>












البداية 9-10-2008

التوقيع





ومـا لجـرح ٍ بـمـّيـت ٍ إيـــلام ُ

كـبـريـاء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-08-2007, 01:08   #23
كـبـريـاء
• .+[ عضو مميز ]+. •
 
الصورة الرمزية كـبـريـاء" 
		border="0" /></a>
    </div>
   
   			<p align=






كـبـريـاء غير متواجد حالياً

كـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكباركـبـريـاء من نجوم المنتدى الكبار

افتراضي

زواج المسلم بالمشركة
{وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَ