ليس للتضخم في كل الدول وعلى مدى التاريخ سبب واحد وإنما أسباب عدة تختلف في درجة تأثيرها على مجريات الأسعار من بينها التوقعات باستمرار ارتفاع الأسعار وتأثير ذلك في مستويات الأسعار الحالية بصرف النظر عن الأسباب الأخرى، بمعنى أن بعض التجار ومقدمي الخدمات يقومون بالمغالاة في الأسعار بحجة التضخم السائد. ومازال الكثيرون يعتبرون أن ربط العملة الخليجية بالدولار الأمريكي المتدهور يشكل السبب الرئيسي للتضخم. أو انخفاض سعر الدولار مما أدى ذلك الى ارتفاع تكلفة الواردات التي يأتي معظمها من دول أوروبا ذات العملات القوية مقارنة بالدولار الضعيف. كما يعتقدون جازمين بأن فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار في أسرع وقت ممكن والتحضير لربطها بسلة عملات يتم الاتفاق عليها أو إعادة تقييمها تجاه الدولار بما لا يقل عن 20% تمثل جزءا كبيرا من الحل.
وفي ظل غياب الدراسات الرصينة والمستوفية مازلت أعتقد أن فك الارتباط بالدولار الأمريكي لن يخفض التضخم كما هو متوقع. وحتى وإن كان له بعض الدور الإيجابي في هذا الاتجاه فإنه لن يكون مؤثرا وطويل المدى. ونتوقع بعد فك الارتباط بالدولار أن ترتفع الأسعار مرة أخرى، بعد انخفاض وتيرة التضخم مؤقتا، طالما أن هنالك عوامل أخرى مؤثرة في التضخم. ففك الارتباط لا يعني التأثير بصورة مباشرة وكبيرة في التضخم، فالأمر يحتاج إلى سياسات أخرى. كما أن التكاليف طويلة المدى نحو هذه الاتجاه ضارة بالاقتصادات الخليجية. وتأتي هذه التكاليف من التأثير السالب في تنافسية التجارة والاستثمار وجذب السياحة وزيادة التشغيل والصورة المثلى هي البدء بمعرفة أثر جميع العوامل المؤثرة في ارتفاع الأسعار. وفي تقديري أن جزءاً كبيراً من الحل ممكن أولا في معرفة الأسباب ومن ثم اتخاذ سياسات متعددة ليس من بينها بلا شك أي قيود أو تدخلات حكومية بتحديد الأسعار في الأسواق الخليجية. والبداية الجيدة في تقديري دراسة نسب الضخم الحقيقية لكل بنود الصرف على حدة وكذلك أسباب التضخم داخلية كانت أم خارجية بما في ذلك زيادة الطلب العالمي وارتفاع أسعار الطاقة وانخفاض سعر الدولار، وزيادة الطلب المحلي (القوة الشرائية) نتيجة لزيادة الصرف الحكومي على التنمية، وتأثير معدلات النمو الاقتصادي في الأسعار، وتأثير ارتفاع الطلب في أسعار مواد البناء، وأخيرا، تأثير التوقعات بارتفاع حجم التضخم في المستقبل على وتيرة التضخم في الوقت الحالي ولعل ما صرح به محافظ المصرف المركزي الإماراتي أخيراً يدل على حصافة في النظر الى مسألة أسباب التضخم، إذ قال إن السياسة الخاصة بالدولار مسؤولة فقط عن 30% من التضخم بينما 70% من المسؤولية مسؤولية داخلية ولذلك لابد من تضافر الجهود الاقتصادية والمالية والنقدية لمكافحة التضخم.
أي اتجاه لفك الربط بالدولار أو إعادة تقييم العملات الخليجية تجاهه له مردود سيئ على الأهداف الكلية التي تسعى وراءها دول المجلس من أجل الابتعاد عن النفط في الإنتاج والدخول والتوجه نحو قطاعات إنتاجية وغير إنتاجية أخرى في المستقبل.
وفي المدى القصير سيؤدي رفع قيمة العملات الى انخفاض العائدات النفطية المسعرة بالدولار. كما أن مستوى رفع القيم لابد أن يرتبط بحجم تأثير انخفاض الدولار في التضخم وكذلك بتأثير العوامل الأخرى.
لذلك فإننا نرى أن دول مجلس التعاون سوف تفكر كثيرا وستقلب كل الجوانب قبل أن يكون بوسعها اتخاذ أى قرار فردي أو جماعي بالتأثير في قيمة عملاتها تجاه الدولار على الرغم من أنها قد تكون (في وجهة نظر البعض) متضررة من ربط عملاتها به، ليس فقط نتيجة لانخفاض قيمته في السوق العالمية، بل أيضا جراء تخفيض الخزانة الأمريكية أسعار الفائدة أكثر من مرة وغياب التوافق في السياسات النقدية في كل دول مجلس التعاون ودولة المثبت، خصوصاً في ما يتعلق بصعوبة توافق أسعار الفائدة.
وعلى كل فإن أي اتجاه لفك العملات بالدولار إذا كان ذلك أمرا محتوما فمن الأفضل كما يرى غيري أيضا أن يكون قرارا جماعيا ليس فقط لأن دول مجلس التعاون تفكر في وحدة نقدية في المستقبل القريب، بل لأن القرار الفردي سيؤدى الى نوع من التنافسية غير المبررة بين دول المجلس، ربما يؤثر القرار الفردي في بعضها في حالة اتخذت قراراً بالإبقاء على الوضع الحالي نظرا لأهداف مستقبلية تسعى لتحقيقها.
كما نتوقع أن يكون رفع القيمة التعادلية في العملات الوطنية الخليجية ليس فقط له تأثير جزئي (على أحسن الفروض) بل أيضا لا يتفق والأهداف الاقتصادية المعلنة. خلاصة القول إنه وعلى الرغم من وجود تكاليف بينة، إلا أننا نعتقد أن الأهداف الاقتصادية المعلنة من قبل دول مجلس التعاون ربما تؤدى بها الى الاستمرار في سياسة سعر الصرف المرتبط بالدولار الأمريكي، على الأقل في الوقت الحالي، قبل تقصي الحقائق حول تأثير السياسات البديلة في مستويات الأسعار.
منقوول
د. بدر الدين إبراهيم
خبير اقتصادي