بسم الله الرحمن الرحيم
...............................
الجن.. أجناس وأصناف وألوان

الجن خلق كثيف العدد وكثيره إلى درجة لا يتخيلها عقل بشر. فإذا كان عدد سكان الكرة الأرضية من بني آدم خمسة مليارات، فإن عدد سكانها من الجن يفوق هذا العدد مليارات ممليرة. ويندر أن يكون هناك مكان بهذه الأرض غير معمور بالجن براً وبحراً وجواً وهم أجناس وأصناف وألوان وأمم، وعالمهم كعالمنا : دول ، وملوك وشعوب، وقبائل ، وأمراء ورعية . وأديانهم كبني البشر، فيهم المسلم ، وفيهم المسيحي ، وفيهم اليهودي ، والهندوسي ، والبوذي ، والوثني والملحد الشيوعي
...............................
الإعتقاد بوجود الجن

حقيقة الجن . الجن في الفهم التقليدي : لقد استسلم العقل البشري منذ القدم للتسليم بوجود كائنات غير مرئية ، عاقلة ، قادرة ،و تفوق الإنسان في كل قدراته . تسبقه سرعة و تعجزه قوة ، و لا قبل له بها . إلا أن العلماء المسلمين أضافوا إلى هذا الفهم معان جديدة تتلخص في كون الإنسان أكرم منها بدليل سجود الملائكة لآدم –أي البشر – و عدم سجودها للجن و أنها تخاف من المسلم الملتزم بواجباته الدينية ، و أن الإنسان يمكن أن يتسلط عليها و يتحكم فيها لصالحه و يستدلون في ذلك بملك سليمان . و يدعي بعض المشعوذين أنهم يستخدمون الجن و يستعملونهم من أجل سحر الإنسان و لكن لم يقدم أحدهم أدنى دليل مادي على صحة هذا الهراء المقصود لأغراض شيطانية . و أخترع العقل البشري من القصص الخيالية الغريبة و المخيفة حول الجن ما لا يحصى عددا و ما لا يصح أبدا .من قبيل زواج الجن من الإنس و رقيهم في السم وات لإختراق ملكوت قيوم السماوات و الأرض و إحضار أخبار المشيئة الإلهية للمشعوذين الدجالين . و لو اطلعت عما كتبه بعض المشايخ حول الجن –انظر كلمة الجن على الأنترنت – و لو جدت العجب العجاب ، فهم يصنفونهم أصنافا عدة ، و يعطون لكل صنف أسماء عجيبة لن تعرف أبدا من أين أتوا بها و يخصونه بمهام خاصة و يقدمون تفصيلات في غاية الدقة ، و كأنهم يتعاملون معها وفق المنهج التجريبي ، و المؤكد أن أي من هؤلاء المشايخ لا يستطيع التفريق بين ذكر الحمام و أنثاه . و يضيف علماؤنا أن الجن كائنات عاقلة ، مدركة ، مكلفة ، أرسل الله إليها سيدنا محمد لهدايتها و تبليغها الرسالة و القرآن ، مستدلين بسورة الجن في كتاب الله العزيز الحكيم . فهل هذا صحيح
هل الإيمان بالجن - بالمفهوم التقليدي للكلمة - من أركان الإيمان ؟ لعلى بعض المتعصبين يعترضون بداهة ، إذ يرمونك بالخوض في العقيدة الإسلامية و المساس بأركان الإيمان . إن المساس الحقيقي بالعقيدة الإسلامية يكمن في الإستمرار في الفهم الخاطئ لهذه المصطلحات القرآنية الإعجازية و رميها في زاوية الخرافة و الدجل و إحكام الأقفال حولها و تكبيل العقل البشري ، لمنعه من العبور إلى المعاني الإعجازية الحقيقة التي تحتويها هذه الكلمات البسيطة . و ليطمئن القارئ تماما ، فالجن ليست من أركان الإيمان ، و التي حددها القرآن ب: الله ، الملائكة ، الكتب السماوية ، الرسل ، اليوم الآخر . و يضيف البعض القضاء و القدر . لذلك فمحاولة فهم معنى الجن لا يمس لا بالعقيدة الإسلامية و لا بأركان الإيمان و لكن بالعكس فهو عمل بالقرآن إذ يتمحور حول التدبر في ملكوت الله و إعمال العقل كما حثنا ربنا على ذلك . هل هناك دليل مادي على وجود الجن ؟ قبل البدء في محاولة فهم هذا الموضوع الشائك ،أسمح لنفسي بطرح سؤال بسيط هو : هل تمكن أحد من البشر من تقديم دليل مادي ملموس لهذه الأمة التي يبدو أنها خصت بمقومات الحضارة أكثر من الجنس البشري ؟ الجواب أبدا . فلا وجود لحضارة تنسب للجن مطلقا ، ولا نرى لهم مظاهر وجود من حيث مزاحمة إلإنسان حول مصادر الثروة أو الطاقة أو حتى الحيز الجغرافي ، أو المياه و التي هي عصب الحياة . إذ يقول القرآن: ( و جعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) .سورة الأنبياء ، 30
المفهوم الصحيح لكلمة الجن . الجن اسم وصفي و ليس اسم لعين . ما دام القرآن قرآنا عربيا ، ينبغي الرجوع إلى اللغة العربية لفهم معاني كلماته و آياته ، لنجد أن الفعل : جن تعني اختفى و استتر . و لا داعي للتوسع في البحث اللغوي هنا . وعليه تشمل كلمة الجن كل ما خفي و استتر و لم يشاهد عيانا و لم يقع عليه النظر سواء كان الناظر بشرا أو حيوانا ، بحيث أن كل من شوهد و نظر و طاله البصر لم يعد جنا .و هذا ما حدا بالإمام الشافعي –رضي الله عنه –بالقول : ( من ادعى أنه رأى جنيا ، أبطلوا شهادته إلا أن يكون نبيا ).حيث لا يمكنه أن يطعن في عدالة الأنبياء الكرام ، لا أنهم يرون الجن . ليكون السؤال الحاسم في وجه هذا الطرح ، ما المقصود إذن من الجن ؟ ليأتي الجواب : الجن اسم وصفي و ليس اسم لعين . و لتبسيط المعنى نضرب المثال التالي : لو طلبت من أحد أن يحضر لك لونا من الألوان ، لاحتار أين سيجد لونا من الألوان ،و مع ذلك لو ذهب و سعى في الأرض غربا و شرقا ، شمالا و جنوبا ، لعاد إليك دون أن يحضر شيئا . و ليس بإمكانه أن يحضر إلا أشياء ملونة و فقط . هذا ما يطابق معنى الجن . فهو وصف لما خفي و استتر من الكائنات ، من بشر و غيرهم . و الغريب أن أوثق البشر صلة –حسب إدعائهم –أعني السحرة و المشعوذين- بالجن لا يستطيعون تقديم أي دليل مادي يثبت وجود الجن الشبحي كما يفهمونه ، حتى إدعاء سيطرتهم على الجن لاينفعهم بأي صفة ، و قد شاهدهم العام و الخاص و هم في حالة يرثى لها من الضعف و الهوان و الخوف و الذلة عندما تباغتهم الشرطة و تلقي عليهم القبض .و لم تنفعهم الجن لا بالإنذار المبكر و لا بالمدد و النصرة . بل إنهم على ما يدعون تجدهم أفقر الناس و أحقرهم في طلب المال بالنصب و الإحتيال ، فما بال الجن التي لا ترى لا تحضر لهم الثروة الطائلة خاصة أن كسبهم في الحالتين من حرام . و شأنهم في هذا لا يختلف كثيرا عن شأن من يدعون أنهم رقاة شرعيون ، فليس بإمكانهم أيضا تقديم أي دليل مادي على وجود الجن الشبحي ، بل يدعون أنهم يخرجون الجن و يشفون المرضى من السحر و المس و اللمس و اللبس إلى آخر القائمة من الأعراض التي لا سبيل لهم حتى للتفريق بين حالة و أخرى . و الحقيقة أن الذين يلجؤون إلى خدماتهم هم من مرضى النفس البشرية . حيث يؤكد الأطباء النفسيون أن المريض نفسيا يتكلم بأصوات متعددة ، و في الغالب هم أناس لديهم هموم و مشاكل لم يجدوا لها حلا ، وأحيانا أناس و دون وعي منهم يريدون جلب إهتمام الناس إليهم كالصبي الذي ينتف شعر رأسه و يجرح نفسه لإستقطاب نظر و حنان والديه من بين إخوته . ثم إن ما يفعله الرقاة يفعله غيرهم من مختلف الشعوب ، و النصارى يخرجون الجن و الشياطين و الأرواح الشريرة بالصليب و الماء المقدسة ، فهل يعني ذلك أنهم على حق أيضا ؟ و رد علماء النفس لديهم هو نفسه نفسه أي محاولات لا شعورية لجلب الإهتمام لا غير
الجن في القرآن . أما الحجة الوحيدة التي يقدمها علماؤنا و مشايخنا و رقاتنا ، هي ورود كلمة الجن في القرآن. و القضية كأنها تتعلق بالمسلمين فقط دون غيرهم من البشر . فماذا عساهم أن يقدموا كدليل لوجود الجن الشبحي لشخص كافر لا يؤمن أصلا بالقرآن ، أم أن الأمر حكر على المسلم فقط ،أو مصيبة خاصة بالمسلمين أضيفت لمصائبنا بفلسطين و العراق و أفغانستان ؟ إن الفيصل في هذه القضية العصية ، بلا شك هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه : القرآن، ثم السنة النبوية الصحيحة ، ثم العقل و الفهم الصحيح لهما . جاء في سورة الأحقاف : ( و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق و إلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله و آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم و يجركم من عذاب أليم و من لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض و ليس له من دونه أولياء أولئك في ظلال مبين ).الآيات ...... و جاء في سورة الجن : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا . يهدي إلى الرشد فآمنا به و لن نشرك بربنا أحدا و أنه جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) .... إلى آخر ما تعلق بالجن في السورة. و جاء في التفاسير عن أبن عباس أنهم سبعة من جن نصيبين ، و عنه أيضا أنه قال : ما قرأ رسول الله على الجن و ما رآهم . وقال الحسن البصري رضي الله عنه : أنه محمد ما شعر بأمرهم – أي الجن – حتى أوحى الله له بخبرهم ( تفسير أبن كثير ). و في الحديث ، قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل أبن إبراهيم ، حدثنا داود عن الشعبي أبن أبي زائدة أخبرنا داود ابن الشعبي عن علقمة قال : قلت لعبد الله ابن مسعود : هل محمد ليلة الجن منكم أحد فقال : ما صحبه منا أحد و لكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا أغتيل ، أستطير ما فعل ؟ قال : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم . فلما كان وجه الصبح أو قال في السحر ، إذا نحن به يجيء من قبل حراء ، فقلنا يا رسول الله فذكروا له الذي كانوا فيه . فقال : إنه أتاني داعي الجن ، فأتيتهم فقرأت عليهم ، قال فانطلق فأرانا آثارهم و آثار نيرانهم . قال الشعبي : سألوه الزاد ، قال عامر بمكة و كانوا من جن الجزيرة ، فقال : كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما ، و كل بعرة أو روثة علف لدوابكم ، قال : فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم من الجن .تفسير ابن كثير . و لكوني بعيد عن علم الجرح و التعديل و معرفة الرجال ، فإني لا أناقش السند ،بل أكتفي بالمتن فقط. و الحديث وارد عن أكثر من طريق و الواضح هنا أن كلام ابن عباس و الحسن البصري رضي الله عنهما هو الصحيح ، إذ يؤكدان عدم رؤية النبي للجن و عدم تخصيصهم بقراءة القرآن .و هذا يوافق القرآن، حيث أن محمد ما علم باستماع الجن للقرآن إلا عن طريق الوحي .( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ). ثم إن في الحديث ما يدعو إلى السؤال التالي ، ماذا كان يأكل الجن قبل مجيء الرسول ، حتى يحدد لهم قائمة المأكولات ، و القرآن يوضح الحلال من الحرام من المأكل و غيره ؟
و السليم أنهم بشر مثلنا و هم جن نصيبين و هم نصارى ، صرفهم الله إلى رسول الله من غير أن يعلم بوجودهم ، ليستمعوا القرآن . بدليل أنهم قالوا : ( أنصتوا ) أي لا يشعرن بكم أحدا . و لعل ما صادفهم من القرآن آيات تتحدث عن عيسى ، التي تؤكد أنه مجرد بشر و ليس بإله ، و أنه ليس بينه و بين الله نسب ، بدليل رجوعهم إلى الحق و قولهم : ( و أنه جد ربنا ما اتخذ صاحبة و لا ولدا ) . و يبدو أنهم من أهل العلم و الباحثين عن الحق ، و أنهم كانوا يجلسون مجالس العلم ويتدارسون ما طال العقيدة المسيحية من تحريف و شرك .و هذا المقصود بالسماء هنا أي سماء العلم و المعرفة أين يسمو الإنسان بروحه و عقله . و اعترفوا بأن إصرارهم على الباطل لن يعجز الله في الأرض أي أنهم لن يقنعوا البشر كافة بألوهية المسيح ، و لن يعحزوا الله بهروبهم من الحق ، ذلك أن الله سبحانه و لن يجري وراء أحد لهدايته كي يهرب منه . و تأكدوا أن سماء العلم و الحق محفوظة بشهب الحق و الإيمان ، و أن هذا الرسول شهاب علم في سماء المعرفة الحق لله عز و جل . و أن محاولات البشر لطمس الحق و تزييف حقيقة التوحيد لن تفلح،و أن الله يبعث من رسله و أنبيائه و علماء الأمة الإسلامية من يحرق بالحجة و الدليل الحق كل شيطان يحارب الله ورسوله . و المراجع لكتب السيرة النبوية – كتاب هذا الحبيب لأبي بكر جابر الجزائري – يجد أن من الوفود التي قدمت لبيعة الرسول ،من آمنوا به دون أن يقرأ عليهم القرآن أو يبعث لهم رسولا ، و منهم وفد بني أسد الذين قالوا له : أتيناك قبل أن ترسل إلينا رسولا .يمنون عليه بذلك . و فيهم نزلت الآية : ( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ).الآية 2 من سورة الحجرات. ثم لنفتح المجال للأسئلة المنطقية و الموضوعية التي تقودنا إلى الحق بإذن الله ، و لنبدأ ب: ما بال هؤلاء الجن المسلمين ،يأمرهم محمد بأكل النجاسات ؟و يعيشون على فضل أطعمة البشر و روث الدواب ؟. لقد قاد محمد الصحابة إلى مواقع هؤلاء الجن و أطلعهم على آثار نيرانهم و مبارك جمالهم ، أليسوا بشرا ؟ ثم ما الذي حدث الآن فلم نعد نعثر على آثارهم مطلقا رغم تطور تكنولوجيا البصريات بشكل رائع ، لم يسبق له مثيل ؟ أم أنهم انقرضوا بعد ذلك ؟ الصحيح من الحديث أيضا أنه آية باهرة تدل بلا ريب عن صدق الرسول ، وصدق رسالته . لقد كشف الله له حجب الغيب ، و أراه الله ما لا يرى غيره من غيب . و لكنه يخاطب الصحابة الكرام بما تستسيغه عقولهم آنذاك و هم لم يروا ما كشف الله له . و يخاطبهم بما يؤدي الغرض و يطيعونه دون طلب الشرح و الإطالة في التوضيح و دون طلب مشاهدة ما شاهد هو .لقد نهاهم عن الإستنجاء بالروث و العظم ، و انتهوا بمجرد نهيهم ، و حقيقة الجن هنا هي تلك الميكروبات و البكتيريا الخفية عن العين المجردة ، والتي تشكل خطرا على صحة الإنسان و حياته . ليكتشف الإنسان هذه الحقيقة العلمية بعد أربعة عشر قرنا ، لتكون آية باهرة على صدق الرسول و صدق رسالته . فما بالنا ننزوي في دائرة التخريف و نرمي ديننا بالدجل و التخلف ، بدل أن نرقى به إلى سماء العلم و المعرفة و الحق ، و تبليغ الرسالة بما يليق بها . ألم يقل القرآن: ( سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) . الآية 53 من سورة فصلت . و في هذا الإطار الصحيح ، و الفهم المؤيد بالعلم ، تصح أحاديث محمد التي تتحدث عن أماكن وجود الجن من أ سقف البيوت ، و بيوت الخلاء ، و الحمام ، و مرابظ الدواب ، و في فضل الطعام غير المحفوظ و في الشق بالآنية من فنجان و غيره و بإمكاننا الآن أن نمر لبحث بعض المفاهيم لكلمة الجن الواردة في القرآن .و لنبدأ بقوله : ( و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس و الجن يوحي بعضهم لبعض زخرف القول غرورا و لو شاء ربك ما فعلوه فذرهم و ما يفترون ) . الآية 112 من سورة الأنعام . و الأمر يتعلق هنا بأعداء الله و رسوله و دينه و هم بشر كلهم ، منهم من آثر المواجهة علنا فهم شياطين الإنس و هم يشهرون و يعلنون عداءهم لله و لرسوله ولدينه . و منهم من خشي العلن و المواجهة و آثر محاربة الله و رسوله دون أن يظهر في الصورة ، بل من خلال كل أساليب الخداع و المكر و الكيد و بث الفتن في الناس .و هم شياطين الجن . و كثيرا ما وردت الكلمتان معا و قد تسبق الواحدة الأخرى لحكمة أرادها الله . كما جاء في الآية 33 من سورة الرحمان : ( يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات و الأرض فأنفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ) . الآية تحمل تحد للبشر بمن كان حاضرا وقت نزولها و هم الإنس و هم الذين يخاطبهم رسول الله بهذه الآية ، و من هم لا يزالون في عالم الغيب لا يراهم رسول الله وقتئذ و لم يكن أحد من الحضور آنذاك باستثناء الرسول بما أطلعه الله من الغيب يعرف أن الإنسان سيتطلع يوما إلى النفاذ من أقطار السماوات و الأرض مستخدما كل هذه التكنولوجيا الحديثة ، و ما هو آت قد يكون أكبر . أما الآيتان 128 و 130 من سورة الأنعام فلا أزال أتدبر معناهما عسى ربي أن يلهمني فهمهما . و من الأسئلة المفيدة و الواجب البحث فيها ، لما يرجى من الفائدة في ذلك ، السؤال التالي : يدعي علماء الأمة الإسلامية أن الجن كائنات مكلفة مثلنا و قد أرسل الله إليهم محمدا ، و كتابهم أيضا هو القرآن ، فهل لهذا سند من الكتاب و السنة ؟ و لنبدأ بسرد أدلة القائلين بذلك ، و هي قوله : ( و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون ) . الآية 56 من سورة الذاريات . و قوله : ( سنفرغ لكم أيها الثقلان ). الآية 31 من سورة الرحمن . فأما تفسير الآية الأولى في فهمنا هذا ، فهي تحمل نفس المعنى السابق قبل قليل ، أي يا محمد ما خلقت البشر كلهم ، من ترى منهم و من هم في عالم الغيب لا تراهم سواءا من سبقكم في هذه الدنيا أو من سيأتي بعدكم إلا لعبادتي . و أما الآية الثانية و التي يدعي القائلون بوجود الجن الشبحي ، بأن البشر و الجن لهما كتل مادية أي وزن ، وهم خاضعون لقانون الجاذبية ، و هم في هذا يتناسون أن دخول جني في بشر يستدعي بالضرورة تزايد وزن البشر لإحتوائه وزن الجني وليس لديهم دليل صحيح في هذا . أ ما المعنى السليم و المحتمل لهذه الآية هو : إن هذه الآية تحمل نبوءة عظيمة بدأت تتحقق في أيامنا هذه و ستكتمل بإذن الله ، وهي سقوط الكتلة الشرقية بقيادة الإتحاد السوفياتي ، و سيتبعه سقوط الكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي فاتت إلحاد السوفيات ، لتنصب من نفسها إله الكون ، و تعيث فيه فسادا . أليس في كتاب الله خبر من قبلنا و نبأ من بعدنا ؟ ثم إن القائلين بوجود الجن الشبحي ، يقدمون كحجة ، أن ليس كل ما لا يرى غير موجود ، مثل الهواء و الكهرباء ، غير أن هذه الحجة مردودة ، إذ أنها أشياء ندرك وجودها من خلال آثارها . فالهواء لو انقطع في حيز ما ، و هذا ممكن فعله فسيموت من كان في ذلك الحيز من الناس و الدواب إختناقا . و الكهرباء لا نراها و لكن إنعدامها يؤدي إلى تعطل كل ما يعمل بهذه الطاقة .أما الجن فلا يمكن إثبات وجودهم من خلال آثارهم أو آثار أفعالهم ، إلا في تفسيرات البشر لتصرفات نفسية عند بعض المرضى النفسيين ، فيرى القائلون بوجود الجن الشبحي دون دليل ، كذبا و زورا ، أنها لمس و لبس و مس إلى آخر الخزعبيلات و التي يدحضها علم النفس . و نعود للإجابة على السؤال الرئيس ، وهو تكليف الجن بالعبادة و شمولهم برسالة محمد . يقول الله في كتابه : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقنا منها و حملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ). الآية 72 من سورة الأحزاب . هذه الآية لوحدها كافية لنقض القول بتكليف الجن ، لقد عرض الله الأمانة على أصناف أربع من الكائنات ( السماوات ، الأرض و الجبال ، و الإنسان ) ، فلم تعرض على الجن مطلقا . أما حملها فلم يكن إلا للإنسان فقط. و هذا مهما كان معنى الأمانة و المعنى الأقرب و الأنسب هنا بلا شك هو : التكليف . إن القارئ المتدبر للقرآن يدرك بلا ريب أنه يخاطب البشر فقط و جاء لإخراجهم من الظلمات إلى النور ، و الآية الأولى من سورة إبراهيم صريحة الدلالة في ذلك ، إذ تبين مهمة الرسول قائلة : ( ألر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ). فمهمة الرسول واضحة جلية تتلخص في إخراج الناس من الظلمات إلى النور . و الناس ليسوا بأي حال من الأحوال جنا .و لا الجن من الناس . و الفهم التقليدي الذي يتمحور حوله السؤال ، يضيف للآية ما لا تحتمل ، فلو صح أن الرسول مبعوث للجن لكانت الآية : لتخرج الناس و الجن من الظلمات إلى النور ..... و الخطاب القرآني كله موجه للناس و للإنسان ، فهو يبين لنا مناسكنا و أماكن أدائها و أزمنة أدائها أيضا و لن تجد في القرآن أبدا خطابا يبين للجن كيف تتوضأ للصلاة ، ولا أين تؤدي مناسك الحج و لا صفة الأضحية في يوم النحر ، فهل هي من الأنعام التي نضحي نحن البشر منها أم أنها أنعاما لا ترى أيضا . و لن تجد أيضا أبدا ما هو دور الجن أيام بعثة الرسول ، و لماذا لم يحصل أن استعان بهم رسول الله في دعوته ، ألم يكن في حاجة إلى سرعة هذه المخلوقات ، خاصة أنهم لا يروا ، و تذكر ما عاناه المسلمون أيام الحصار في غزوة الخندق . أم أنهم تخلفوا عنه ؟ كما أن القرآن سرد لنا الكثير من قصص الأمم –من البشر – التي أهلكها الله ، و كذلك التي رضي عنها و متعها متاعا حسنا ، و يدعونا إلى التدبر و الاعتبار منها و يشير إلى منازلهم و عمارة الأرض من طرفهم . و ليس في القرآن و لو إشارة واحدة تشير صراحة إلى أمة من أمم الجن سواء أهلكت أو متعت باستثناء آيات عامة الدلالة تجمع بين الإنس و الجن أيضا و قد تحمل نفس المعاني السالفة الذكر ، لا يمكن أن تثبت وجود الجن بالمعنى الشبحي المتداول
صيغ الخطاب القرآني للبشر . ثم إن الخطاب القرآني الموجه للبشر بلفظ : يا أيها الناس يرد في القرآن عشرين مرة ، بتوجيهات متعددة الجوانب .و بالمقابل لا يوجد أي خطاب بهذه الصيغة موجه للجن ( يا أيها الجن ). كما ورد الخطاب في صيغة الإفراد ( يا أيها الإنسان ) مرتين و لم يرد نظير هذا الخطاب للجان في القرآن أبدا, لا بصيغة ( يا أيها الجان )و بصيغة (يا إبليس ) و لا بصيغة (يا شيطان ) . و أما الخطاب للبشر بصيغة ( يا بني آدم ) فورد خمس مرات في القرآن ، و نفس الملاحظة حيث لم يرد أي خطاب للجن بصيغة مماثلة علما أنني لم أجد إسما لأب الجن أبحث به عن هذه الصيغة ، أقصد : يا بني إبليس ، يا بني جان ، يا بني شيطان . إن ما يعرفه العام و الخاص ، أن كل ما جاء في القرآن حق . و لا يمكن أن يرمى لا بنقص و لا بزيادة و لا بسهو و لا إغفال . و كل حرف فيه مقصود و لا يمكن أن يحل محله حرف آخر . و لا يسوغ لأي كان أن يفهم ما يريد هو بإدعاء الضمنية في القرآن . من قبيل ما سبق مناقشته عند تناول مهمة محمد الآية الأولى من سورة إبراهيم. ( ألر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) فليس بوسع أحد القول بأن الآية تشمل الجن ضمنيا ، مهما حاول تسويغ ذلك .ثم إن الخطاب الموجه للبشر بالصيغ كلها ( يا أيها الناس ، يا بني آدم ، يا أيها الإنسان ) الواردة كثيرا في القرآن ، لا تدع لأي كان أن يدعي شمولية الجن ضمنا أيضا ، و من المستحيل أن يدعي أحد و العياذ بالله أن الخطاب الموجه للجن بأية صيغة قد أغفل ، أو سقط سهوا أو ما إلى ذلك ، فهذا بالتأكيد كفر سافر و خروج من الملة قطعا . ثم ما المانع أن نتدبر بعض الآيات في ضوء هذه الفكرة .أنظر قوله عز و جل : ( يا أيها الناس إتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساءا و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . الآية 1 من سورة النساء. فهو خطاب موجه للناس فقط و ليس الجن –حسب الفهم التقليدي – من الناس . فما معنى هذا ؟ هل أن كل الجن تقاة لا يستوجب توجيه هذا الأمر إليهم ؟ قال : ( يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم و إن تكفروا فإن لله ما في السماوات و الأرٍض و كان الله عليما حكيما ) . الآية 170 من سورة النساء. من يستطيع أن يقول إن الجن مشمولون برسالة محمد في هذه الآية ضمنا ؟ و هل يستطيع أحد أن يدعي أن كلمة الجن سقطت سهوا أو نسخت ، الحمد لله ما يستطيع ذلك أحد . و الآيات هنا كثيرة مقاصدها متنوعة ولكنها كلها للبشر فقط . و لنأخذ الصيغة الثانية لعلنا نجد ما يعيننا على تبيان الحق ، و هي : يا أيها الإنسان . قال : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ).الآية 6 من سورة الإنشقاق . هل يعني أن الجن مستثنون من الكدح إلى الله ، أم من ملاقاته عز و جل ؟ ثم الآية : ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك ) .الآية 6 من سورة الإنفطار ، حتى أنها تحمل نفس الرقم مثل الآية السابقة الذكر ، فلا مجال للصدفة في كتاب الواحد القهار . فهل أن الجن ما غرهم شيء بربهم ، حتى استثنتهم الآية ؟ ألم يقولوا أن منهم المسلم و الكافر ؟ ثم لنرى الصيغة الثالثة ( يا بني آدم ) و التي وردت خمس مرات في القرآن ، قال : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) .الآية 27 من سورة الأعراف . لو أن الجن كائنات مكلفة مثلنا ، و منهم المسلم و الكافر فهل هم في منئ من فتنة الشيطان ، و من المعني بفتنتهم ؟ أليس ذلك من العدل الإلهي بين العباد المكلفين ، بأن يكون لكل منهما شيطان مكلف بغوايته ؟ ثم إن سلمنا بعدم وجود شيطان خاص بفتنة الجن ، باعتبارهم مكلفين مثلنا ، ما السبب في ضلالهم ؟ ما دام أن الفكر التقليدي يقر بوجود المسلم و الكافر من الجن .أم أنهم مقصودون ضمنا من الآية ؟ و هذا ما لا تحتمله الآية قطعا . إلى آخر الأمثلة التي لا تصح في وجهها دعوى وجود الجن الشبحي و لا تكليفهم و لا شمولهم بالرسالة المحمدية . وردت كلمة الإنسان في القرآن 56 مرة . تتحدث عن خلق الإنسان ، عن نكرانه نعمة الله ، و عن حمله الأمانة ، و عن دعائه الله عند الضر ، و إعراضه بعد ذلك ، و وصفته آيات عدة بالكفر ( كفور - قتل الإنسان ما أكفره – و غيرها ) ، و تحدثت عن هلعه ،و فجوره ، و عودته إلى الله يوم البعث ، حين يسأل أين المفر ، و حين يجد ما عمله من عمل محضرا ، و عن غروره ، و عن كدحه إلى الله و ملاقاته ، و عن تخصيصه بالتعليم من الله عز و جل ، ( خلق الإنسان علمه البيان ) . و في جميع هذه الآيات لم يرد ذكر الجن فيها مطلقا لتشملها بمقاصدها كلها ، أليس في هذا تأكيد على تكليف الإنسان وحده دون الجن ؟ و بالموازاة ، لم ترد كلمة الجان إلا في موضعين . الأول ، الآية آية 15 من سورة الرحمان ، حيث جاء فيها : ( و خلق الجان من مارج من نار ) . و الموضع الثاني ، في الآية 27 من سورة الحجر و هي : ( و الجان خلقناه من قبل من نار السموم ) . و الجان في الآيتين ليس سوى النفس البشرية – لأنها لا ترى -- كما سبق بيان ذلك . أما كلمة جان ، فوردت خمس مرات في إثنتين منها تعني الحية - عصا موسى --. و المرات الثلاث الأخرى و كلها في سورة الرحمان و هي : ( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس و لا جان ) . الآية 39 . و الآية : ( فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان ).الآية 56 . و الآية : ( لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان ).الآية 74 من سورة الرحمان . و معنى كلمة جان فيها هو كل بشر لم تره في هذه الدنيا و لم تعرفه أي أنه كان في الدنيا خارج مجال رؤيتك بحيث لم تره ولم تعرفه . سواء كان قبلك أو بعدك أو عاش في مكان بعيد عنك و لم يحصل أن رأيته في الدنيا و لم تعرفه . و الخطاب في الآيات موجه لرسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - و لكل من يقرأ القرآن . فهل في القرآن عناية مماثلة بالجان أو الجن كتلك العناية الخاصة بالإنسان ؟ إنك لن تجد في القرآن عن عرض الأمانة على الجن ، و لا ذكر كفر الجن و لا فجوره و لا دعائه حال الضر و لا نكرانه نعم الله في السراء ، و لا أن الله علمه القرآن مثل الإنسان ، و لا أنه علمه البيان ، و لا عن كدحه ولا عن غروره و لا ملاقاته ربه ، و لا عن تساؤلاته يوم البعث ، فهل هذا الأمر مقصود من الله أم أن الله كلف الجن بعبادته و خصهم مثلنا بالقرآن و بنبيه محمد – - ثم اهتم بالإنسان فقط ونسي الجن ، و لم يذكرهم لا بالفرائض و لا بما سوف يكون منهم من كفر و جحود و كدح و غرور و ملاقاة الله عز و جل ؟ و ما قلناه عن كلمة الإنسان في القرآن يصدق تماما على كلمة الناس و لا داع للتذكير بتكليف الناس و خطابهم و أحوالهم في القرآن و انعدام خطاب مماثل في كتاب الله للجن. أما كلمة ( الناس ) فترد في القرآن أكثر من مائة و سبعين مرة ، و ليس بوسعي تتبع كل الآيات بالشرح و البيان ، و لكن الأكيد أن ورودها بهذه الغزارة في القرآن هو دليل قاطع على تخصيص البشر بهذا الكتاب ، بوصفهم الكائن العاقل المكلف المعني بالرسالة المحمدية - الإسلام - . بينما ترد كلمة الجن ، حوالي عشرين مرة و المراد منها كما حاولنا بيان ذلك هم البشر فقط . الحقيقة أن الفهم الصحيح للقرآن ، يثبت أنه لا يشير مطلقا إلى تكليف الجن بعبادة الله مثل البشر ، بل ينفي الفكرة من أساسها ، و من ثم ينفي حتى وجود الجن بالمفهوم الخرافي - الجن الشبحي – لتلازم الفكرتين ، الوجود و التكليف . إن هذا الطرح غريب على المسلمين لما تواتر بينهم من فهم خاطئ للجن ، حتى أصبح من المسلمات التي لا تقبل البحث و النقاش . و لكن يحق لهم الإعتراض و التساؤل و طلب شرح معاني هذه المصطلحات القرآنية كما وردت في القرآن . فقد يعترض هذا الطرح مع قضية ملك سليمان و الذي شمل الجن أيضا ، على أنها أمة من الجن كانت تحت إمرة سيدنا سليمان .و الحقيقة أن أكبر قدر من القصص الخاطئة و الفهم الخرافي نالته قصة سيدنا سليمان و طالته حتى بعد موته و نالت حتى من مقامه كنبي من أنبياء الله . إذ قيل أنه كان يحكم الجن و يتسلط عليهم ، و كانوا يعملون له أعمالا كثيرة و شاقة ، و نسبوا له خرافة خاتم سليمان ، والذي سرق منه من طرف أحد المردة و ما كاد يسترجعه إلا بعد عناء كبير ، و نسبوا له أيضا سرقة عرش ملكة سبأ إلى آخر الأساطير الغريبة ، التي طالت حتى شخصه من حيث العدد الرهيب لجواريه ، ثم موته متكئا على منسأته أي عصاه مدة طويلة بقي الجن خلالها يعملون ما سطر لهم من أعمال شاقة و كأنه كان في معرض للهواء الطلق حيث يراه كل مار ، مع أن أبسط مسلم يعرف أن إكرام الميت دفنه .و ما تنبهت الجن لموته إلا بعد أن أكلت دابة الأرض- الأرضة – منسأته ، كي يتمردوا بعد ذلك . الصحيح في هذا كله أن جن سليمان ما كانوا إلا بشرا مثلنا ، و لكن كانوا ذوي طباع تمردية ، كأنها نارية و لكنه بفضل الله و بالحكمة التي وهبه الله ،و بقوته الروحية الإيمانية السامية ، استطاع أن يتحكم في هؤلاء الناس ، و تمكن أن يسوسهم كيف ما شاء ، و بعد وفاته تولى الحكم ابنه و الذي لم يكن في المستوى الروحي لوالده و لم تكن له تلك المواصفات التي تمتع بها والده و هو الذي دعا ربه أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده . و بدلا من أن يحذو حذو والده ، آثر الدنيا على الآخرة ، وأخلد إلى الأرض ، بهذا استحق هذا الوصف القرآني ( دابة الأرض ) و بتصرفه هذا أتى على ملك والده ، والتي تشير إليه كلمة المنسأة أي العصا (الملك) .و عندها تبينت الجن أي هؤلاء الأقوام المتمردون أن الحاكم الجديد ليس في مستوى سلفه ثاروا عليه و قضوا على ملكه . و هذا ما يؤيده التاريخ و العقل و المنطق . و هو تفسير لا يسيء إلى نبي الله أيضا . أما عفريت من الجن في قصة سيدنا سليمان ، فلم يكن أيضا سوى واحد من خاصة أعوانه ، و كلمة عفريت تعني الشخص المتمكن من عمله ذو الدهاء الواسع . و خاصة الناس في دنيانا هذه من ملوك و رؤساء و وزراء ، يصدق وصفهم بالجن ، لأن عامة الناس لا يصلون إليهم و لا إلى معرفتهم و أحيانا لا يمكن لهم حتى رؤيتهم لولا التلفزة في أيامنا هذه. و من المحزن أن من علماء الأمة من يدعي إمكانية تمثل الجن بصور البشر ، و يستدلون بحديث سارق تمر الصدقة المروي عن أبي هريرة –رضي الله عنه - و البين للعيان هنا هو إما أن الحديث غير صحيح ، وإما أنه يتحدث عن رجل استحق وصف الشيطان ، لأن عمله شيطاني إذ طالت يده حتى تمر الصدقة بالسرقة . و الغريب أن هذا الشيطان أسدى له نصيحة عالم جليل في الدين فما الذي حدث أأسلم هذا الشيطان و تفقه في الدين حتى يفيد بعلمه واحدا من أكبر رواة الحديث عن النبي مباشرة ؟ و لو سلمنا بإمكانية تمثل الجن بالبشر ، و أخذ صورهم لاستحال العيش من كثرة المشاكل التي سوف يثيرونها ، إلى درجة أن الكون سيصبح عبثا في أيديهم . فالقاتل ليس هو و إنما شيطان أو جني و السارق كذلك ، و الزانية أيضا و لا مجال لوجود الشرطة و النظام . فلما التحقيق ؟ و لما المحاكم ؟, فالكل شياطين و جن إلى آخر العبث الذي يمس بإحكام الخالق عز و جل في ملكوته .و هو القائل : ( و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما لاعبين ) . الآية 16 من سورة الأنبياء . و انظر قوله عز و جل :

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا و أنكم إلينا لا ترجعون ف الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش .) الآيتان 115 و 116 من سورة المؤمنون . و انظر قوله أيضا

و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما لاعبين ). الآية 38 من سورة الدخان . و في الأخير ، نعود للفيصل الحق ، القرآن ، و نجد أنه كتاب خص الله به البشر فقط دون غيرهم من مخلوقاته ، بلا ريب و لاشك . و يؤكد لنا أن المبعوث الرباني لا يكون إلا من جنس المبعوث إليهم و هي سنة من سنن الله ، لم يخرقها و لم يبدلها أبدا و ليس بإمكان البشر تأويل الآيات التالية و لي عنقها لإثبات أن الجن مشمولون بالرسالة المحمدية ، وهي : ( قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا )ا . الآية 95 من سورة الإسراء. ( و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم و لدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون ) .الآية 109 من سورة يوسف. و الواضح أن رجالا لا تعني الجن مطلقا و لكن تعني الذكور من البشر . ثم هل يستقيم معنى الآية التالية إذا ما سلمنا أن الخطاب القرآني موجه أيضا للجن و أن محمد – – رسول إليهم أيضا ، و هي قوله : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا ).الآية 110 من سورة الكهف . و قوله : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه و استغفروه و ويل للمشركين ) . الآية 6 من سورة فصلت . و من البديهي أن رسول الله بشر مثلنا ، و لكنه ليس بالتأكيد جني ، و لا يمكنه أن يكون مثل البشر و الجن في آن واحد . و القول بشمول الرسالة المحمدية و الخطاب القرآني للبشر و الجن يحمل الآية ما لا تحتمل بل هو افتراء و رمي لها بالنقص أو الخطأ و العياذ بالله . و فيها من الدلالة الواضحة ما يغني عن البحث المضني في هذا الموضوع . أخيرا و قبل ختم هذه المحاولة لفهم هذه المواضيع الصعبة ، أرجع للملاحظة التي رأيت أن أتركها لآخر هذا البحث ، و هي ورود كلمة إبليس في صيغة الإفراد فقط بينما وردت كلمة الشيطان ، إفرادا و جمعا ( شيطان و شياطين ) و كلمة الجان أيضا ، ( الجان و الجن و الجنة ) علما أني لا أقصد كلمة الجان بمعنى الحية . ذلك أن كلمة إبليس تعني النفس البشرية ، و ليس لابن آدم سوى نفس واحدة ، و لا يمكن أن تجتمع في ابن آدم أكثر من نفس واحدة أقصد دخول الشيطان أو الجن فيه . كما لا أقصد نفس الجنين و هو في بطن أمه .و الفائدة الكبيرة هنا هي أن الإنسان مسؤول عن أفعاله و لا يمكنه أن يحتج بأن أفعاله صدرت منه تحت إكراه الجن أو الشيطان ونحوه لا أمام الله و لا أمام الدولة و لا أمام الخلق. و أما ورود كلمة الجان و الشيطان في صيغة الإفراد و الجمع ، فمرده إلى تعدد الصور التي يصح إطلاق هذا المصطلح الوصفي عنها ، كما سبق شرحه
..............................
معنى الجن والشياطين

الجن: ضد الإنس، والواحد جني، سميت بذلك لأنها تتوارى عن الأنظار ولا تُرى.
أما الشياطين: فجمع شَيطانُ، وهو كل عاتٍ متمرد سواء من الإنس أو الجن أو الدواب، وعليه فالشياطين ليسوا سوى عتاة الجن ومردتهم .
الجن عند أهل الكلام والعلم باللسان منزلون علي مراتب: فإذا ذكروا الجن خالصا قالوا: جني .. فإن أرادوا أنه ممن يسكن مع الناس، قالوا: عامر والجمع عمّار وعوامر.. فإن كان ممن يعرض للصبيان، قالوا: أرواح .. فإن خبث وتعزم فهو شيطان .. فإن زاد على ذلك فهو: مارد .. فإن زاد على ذلك وقوي أمره، قالوا: عفريت، والجمع: عفاريت والله أعلم بالصواب "
...............................
دخـول الجـن في جسـد الانسـان

بدأت العداوة بين الشيطان والانسان منـذ اللحظة التي خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام ، بل من قبل ذلك عندما كان آدم عبارة عن جسد، وقبل أن تنفـخ فيه الـروح، فقد كان جثة هامدة من طين أتى اليه الشيطان فرآه أجوفا ، فكان يدخـل مـن فمـه ويخرج من دبره ويدخل من أنفه ويخرج من أذنه وهو أجوف.
والشيء اذا كان أجوفا فانه يكون غير متماسكا لذا كـان يقول لـه: ان لك لشأنا ولئن أمرت بك لأعصين ، ولئن سلطت عليك لأهلكنك.
وقد ورد في صحيح مسلـم عن أنس أن رسول الله عليه وسلم قال:" لما صور الله آدم في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركـه ، فجـعل ابليس يطيف به ،ينظر مـا هو ،فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتماسك " .
وعندمـا نفخ الله الروح في آدم وأسجد الملائكة له ، أبي واستكبر وفضل نفسـه علـى آدم وهـو الذي كان من أعبدهم لله ، فغرته نفسه فكيف يسجد لهذا الذي خلق من طيـن فتعالـى على الله ولم ينفذ الأمر الذي صدر من الله له وللملائكة ، فاستجابت الملائكة وعاند هو ورفض ذلك و استحق أن يطرد من رحمة الله وأن يخرجه الله من الجنة لأنها لا يكون فيها متكبر متعال مـن خلق الله .فاذا علمنا هذا، علينا أن نعلم أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد ،فحسب بل تعداه الى ما هو أبعد مـن ذلك،وهو توعده لآدم وذريته بالاغواء والاضلال و الاحتناك ، وانه سوف يأمرهم بتغيير خلق الله ، وقد أمهله الله عز وجل الي يوم البعث .
ولله حكمة بالغة فـي ذلك ، و الا فان الله قادر على أن يهلكـه فـي تلك اللحظة .
لذا ذكر لنا الله سبحانه هذا التفصيل في قوله عز وجل( قـال أرأيتك هذا الذي كرمـت عـلي لان أخرتن الـى يوم القيامة لأحتنكن ذريته الا قليـلا) .
وفـي قوله ( و لأضلنهـم و لأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ) .
والآيات في هذا كثيرة جدا، فالعداوة حاصلة وستستمر ببقاء الدنيا لأن الشيطان يعتقد أن سبـب خروجه من الجنة وطرده من رحمة الله انما كانت بسبب آدم وليس باستكباره واستعلاءه .
فلذلـك سوف يستمر بالانتقام من ذرية آدم بعد أن كان هو سببا في خروج أبينا من الجنـة.
ولـو نظرنا نظرة متأمل لوجدنا أن الله ابتلى آدم بالشيطان وابتلى الشيطان بآدم حتى
تملأ الجنـة بعبـاد الله المتقين وتملأ النار بالكفرة والمشركين والمنافقين والعاصين .
...............................
......