هذا الموضوع من مواضيعي بالجريدة
في يوم محدد من شهر يونيو من كل عام تقام مهرجانات في جميع عواصم الدول الغربية ومدنها الكبرى يحتفل بها الشواذ "مثليي الجنس" للتعبير عن أنفسهم والمطالبة بمزيد من حقوقهم، وذلك من خلال مسيرات ضخمة تضم مئات الآلاف منهم تقام أثناءها الرقصات، وتحمل اللافتات ويسير هؤلاء الشواذ رجالا ونساء شبه عراة، ويقومون بحركات فاضحة للتأكيد على حقهم في الحرية بالعيش ضمن الإطار الذي اختاروه لحياتهم.
وقد كان الأصل في مثل هذه المهرجانات إقناع الكنيسة الكاثوليكية بضرورة تغيير موقفها الرافض والمحرم لمثل هذه العلاقات الشاذة، التي استطاعت أن تثبت وجودها من خلال قرارات السلطات التشريعية في عدد من الدول الغربية، وبتأييد من المنظمات الدولية بالموافقة على زواج مثليي الجنس.
وقد كان لليهود كعادتهم السبق في دعم مثل هذه التوجهات الشاذة في خطوة لم تسبق، عندما صوت الحاخامات المنتمون لأكبر تجمع يهودي في الولايات المتحدة لصالح الاعتراف بزواج الشواذ جنسيا، وذلك في المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين التابع لما يعرف بحركة الإصلاح اليهودية؛ حيت صرح رئيس المؤتمر "تشارلز كرولوف":"إن من حق الشواذ الاعتراف بزواجهم واحترامهم".
ومنذ عام 1995 م والحركة توافق على تعيين حاخامات شواذ جنسيا واعتمادا على مبدأ "إن جميع اليهود متساوون في التدين بغض النظر عن توجهاتهم الجنسية".
وفي ظل دعم هيئة الأمم المتحدة من خلال طروحات منظمة اليونسكو ومنظمة حقوق الإنسان وغيرها، لمثل هذه التوجهات الشاذة التي تسعى إلى إقرارها عبر مؤتمراتها المتتالية، وتبنيها لها تحت مظلة حقوق الإنسان، والحرية والمساواة والعدالة وغيرها، يبلغ الأمر مداه، وبالتالي وجبت صيحة تحذير لأولئك الذين يجرون البشرية إلى الهاوية.
ففي إطار اعتراف الحكومات الأوروبية بزيجات الشواذ جنسيا، شهدت العاصمة الهولندية "أمستردام" أول زواج رسمي بين الشواذ في العالم، وسط حضور وزراء الحكومة والمواطنين الهولنديين ، بالإضافة إلى إذاعة الزيجات على الهواء مباشرة.
وقد تم تزويج ستة رجال من بعضهم البعض، كما تم تزويج امرأة من أخرى يوم 2-4-2001 وذلك في أعقاب صدور قانون يبيح الزواج بين الأشخاص من نفس الجنس في هولندا .
وتعطي الحكومة الهولندية للزواج الشاذ الحقوق والمسؤوليات نفسها التي تطعيها للزواج الطبيعي، وتتمثل في حق الحصول على المعونات الاجتماعية والخفض الضريبي وحق التبني وضرورة التوجه للمحاكم من أجل التطليق.
ويتوقع المسؤولون في أمستردام أن يرتفع عدد زيجات الشواذ إلى ما يربو على 10 آلاف زيجة بين الشواذ سنويًا، وهو ما يشكل 10 % من متوسط حالات الزواج الطبيعية!.
كما وافقت الحكومة البلجيكية هي الأخرى على مشروع قانون يسمح بالزواج بين الأشخاص من نفس الجنس أمام موثق للأحوال المدنية، دون أن يتمتع الزوجان في نفس الوقت بالحقوق التقليدية للزواج بين شخصين من جنسين مختلفين.
لكن حق التبني أو إلحاق النسب بالطرف الآخر من الجنس نفسه لا يزال مرفوضا، حيث لا يحق إلحاق الطفل الناتج من زواج طبيعي سابق من أحد الطرفين إلى الطرف الآخر.
وحق التبني غير مكفول أيضا لهذا النوع من الزواج بالرغم من الاعتراض الصريح لدعاة حماية البيئة والاشتراكيين في بلجيكا، علاوة على أنه لن يتم تحديد صفة أي من الزوجين وعلاقته بالآخر.
ويتجه القانونيون البلجيك إلى عدم التمييز القائم على الجنس والمساواة في المعاملة بين الزوجين من نفس الجنس أو من جنسين مختلفين مع وجود رغبة حقيقية منهما في الارتباط.
وكانت الحكومة البلجيكية قد كلفت مجموعة عمل في نهاية مارس 2000م ببحث سبل إلغاء التمييز بين مختلف أشكال العلاقات بين المتزوجين والعلاقات بين الشواذ من نفس الجنس.
وجدير بالذكر أن بلجيكا تسير بذلك على خطى هولندا التي تعتبر الدولة الأوروبية الوحيدة التي تعترف قانونيا بالزواج بين الشواذ.
وكانت هذه السلسلة من زيجات الشواذ قد بدأت في الدانمارك عام 1989 لتكون أول دولة تعترف بهذه النوعية من الزيجات، كما سمحت النرويج والسويد للشواذ بتسجيل علاقاتهم بشكل رسمي، أما ألمانيا فقد أصدرت قانونا جديدا يسمح باعتراف نوعيّ بالزواج الشاذ، ولا يسمح بالتبني ولا الحصول على الخفض الضريبي، كما يسمح بإتمام هذه الزيجات لغير المواطنين الألمان.
كذلك منحت الحكومة الكندية في فبراير من عام 2000 للشواذ جنسيا المقيمين معا نفس الحقوق التي تعطيها للطبيعيين المقيمين معا دون السماح بزواج رسمي.
وتسمح بريطانيا بالشذوذ الجنسي بشرط أن يكون بين رجلين على الأكثر، وأن تكون سنهما من 18 فما فوق، أما إذا صغرت السن أو زاد العدد فهنا تكون الجريمة، وهو ما يعترض عليه الشواذ الذين يشكلون قوة ضاغطة على الحكومة.
وتعتبر ولاية "فرمونت" الأمريكية هي أول ولاية أمريكية تعطي للشواذ جنسيا حق الإمضاء على قسيمة شبيهة بقسيمة الزواج، تعطيهم نفس حقوق وواجبات الزواج الطبيعي وذلك في أبريل الماضي.
كما يطالب الشواذ في الكيان الصهيوني الذين يمثلون أكثر من 12% من الصهاينة بمزيد من الإنجازات لصالحهم، أهمها أن تعترف الدولة بزواج الشاذين جنسيًّا شأنه شأن الزواج الطبيعي، وأن يسن البرلمان قوانين تنظم حياة الشاذين من حيث الميراث والحقوق والتعويضات والإجازات المترتبة على الحياة الزوجية.
ومن ناحيته أيد البيت الأبيض إصدار تعديل دستوري يمنع زواج الشواذ، ويؤكد على أن الزواج يكون بين رجل وامرأة. وأكد أنَّ الرئيس "جورج بوش" يعتقد أنَّ الزواج رباط بين رجل وامرأة.
ويقول "بيل فريست" ـ السيناتور الجمهوري عن ولاية "تينيسي" ـ وزعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ والحليف القوي لبوش في الكونجرس إنه يؤيد "تماماً" إدخال تعديل على الدستور يعرِّف الزواج بأنه بين رباط رجل وامرأة.
وتحدث "فريست" بعد أن أبطلت المحكمة العليا قوانين زواج الشواذ في الولايات المتحدة. وعرِّف القانون الأمريكي الزواج بأنَّه رباط بين رجل وامرأة.
وتحظر الولايات المتحدة الزيجات المثلية، إلا أنَّ ولاية "فرمونت" تسمح بالزواج المدني للشواذ.
وقد اشتد النقاش حول القضية بعد أن أعلنت كندا أنَّها ستعطي شرعية قانونية لزواج الشواذ. وقضت المحكمة الأمريكية العليا مؤخراً ببطلان قوانين زواج الشواذ في الولايات.
ويرى منتقدون محافظون أنَّ هذا سيفتح الباب أمام الزواج بين الشواذ جنسياً في الولايات المتحدة.
ويجري الامتناع الأمريكي بعد أن أيدت واشنطن والدول الغربية صدور اتفاقية توحيد النوع "الجندر" واتفاقية منع ما تسميه التمييز ضد المرأة؛ والأولى تلغي أي تمايز أو فوارق بين الرجل والمرأة وتجعلهم جنسا واحدا؛ الأمر الذي يكشف مدى التناقض في السياسات الغربية.
ومن ناحيته وافق مجلس الحاخامات اليهود المحافظين في الولايات المتحدة ولأول مرة في تاريخه على منح إحدى الحاخامات اليهودية سلطة إجراء مراسم زواج الشواذ وفقاً للتقاليد والمراسم اليهودية الدينية. وكان اليهود المحافظون في الولايات المتحدة يرفضون إجراء مراسم الزواج لليهود الشواذ ويرفضون أيضاً دخولهم المدارس الدينية.
إذا كان الزواج بين رجل وامرأة هو الأصل في تكوين البنيان الاجتماعي الأساسي للمجتمع ألا وهو الأسرة، وهو القاسم المشترك بين كل البشر على امتداد تاريخهم وباختلاف عقائدهم الدينية وألسنتهم وخلفياتهم الثقافية، فإن هذا المفهوم بدأ يتلاشى في الغرب مع البحث المستمر عن متعة فردية وتخلص من مسؤولية تربية الأجيال.
يوازي ذلك نضالجماعات الشواذ التي تعضد الأشكال الجديدة للأسرة الغربية، وتبعا لتعريفها لأجناس بشرية جديدة (الذكر، الأنثى، الذكر الأنثى، الأنثى الذكر، والمخنثون من الجنسين بالتشكيل الاجتماعي!)
وبعملية حسابية بسيطة بقران كل جنس مع غيره من الأجناس، يمكن أن تتعدد أنواع الأسر. وبذلك يمكن أن يصبح للأطفال ماما وماما بريـم، وبابا وبابا سكوند بل يوجد من يرى أنه لا مانع من أن تتكون الأسرة الغربية من أكثر من اثنين وأن يكون للطفل أكثر من أبوين!.
وقد نجحت مفاهيم الشواذ في التسرب إلى المجتمع الغربي، بل إلى وثائق الأمم المتحدة ذاتها التي تقدم مفهوما للأسرة يعارض كل الذي عليه الأديان جميعاً، وذلك عندما تستخدم مصطلح (اقتران) بدلاً من الزواج، لتفتح بذلك الطريق أمام تكريس ما سبق أن أقرت به كنائس مختلفة في بعض بلدان الغرب، من إضفاء الشرعية على علاقات الشواذ والمعاشرة الجنسية بين رجلين أو امرأتين.
وفي الحالات التي احتفظت بها الأسرة الغربية بالشكل التقليدي بين رجل وامرأة كما اعتادت البشرية منذ نشأتها فإن هذا الشكل اتخذ شكلاً قانونياً جديداً يفرغ مؤسسة الزواج من مضمونها بشكل مدهش.
فبدلاً من الزواج الكنسي أو حتى المدني الذي يفرض على طرفيه تبعات قانونية يضيق بها كلاهما، ظهر في الغرب شكل جديد من العلاقة بين الرجل والمرأة ضمن ما يسمى بزواج العقود، وهو ليس زواجاً من الأساس إلا أن طرفيه يلجآن إليه لتنظيم توزيع النفقات ومسؤوليات الحياة اليومية بين طرفين غالباً ما يكونان قد تعاشرا لمدة سابقة معاشرة الأزواج ولكن دون أن يتم تسجيل هذه العلاقات على إنها علاقات زواج قد تؤدي عند الانفصال مثلاً إلى اقتسام ثروة الطرفين بالتساوي كما هو متبع عند الطلاق من زواج كنسي أو مدني.
ومن الغريب مثلاً أن مثل هذه العقود قد تشتمل على بنود تحدد عدد مرات المعاشرة الجنسية وتصفها في وقاحة لا تخجل حتى من وصف الشذوذ بعينه بالإضافة إلى تفاصيل أخرى، كالمسؤولية عن أعمال التنظيف والتسوق وتقاسم النفقات على سبيل المثال، بل منهم من يشترط عدم الإنجاب لتبقى الأسرة بدون أطفال.
وقد أشهر وزير المالية النرويجي "بير كرستيان فوس" زواجه من صديق له في خطوة لقيت ترحيبا في أوساط الشاذين جنسيا. وتعد هذه الحادثة الأولى التي يقوم بها شخص في منصب وزير بالنرويج منذ أقرت رسميا زواج الشواذ.
فقد أكد فوس البالغ من العمر 52 عاما أنه أضفى الصبغة الرسمية على علاقته مع "يان إيريك كنارباك" أحد مديري مجموعة "شيبستد" النرويجية للإعلام.
وقال الوزير النرويجي وهو أيضا عضو مخضرم بالبرلمان عن حزب المحافظين "نعم.. عقدنا مراسم الزواج في السفارة (النرويجية) في ستوكهولم (عاصمة السويد) ". ويقيم فوس مع كنارباك منذ فترة طويلة في شقة بحي "فروغنر" الراقي في أوسلو العاصمة النرويجية. وكانا قد التقيا للمرة الأولى في عام 1980.
ورغم وجود شواذ بين الساسة الأوروبيين مثل عمدة برلين "كلاوس ووريت"، وعمدة باريس "برتراند ديلانو"، إلا أن فوس يعد أول سياسي في منصب وزير يقوم بهذه الخطوة. ووصف أحد المسؤولين عن رابطة الشواذ في أوروبا الخطوة بأنها شيء عظيم معتبرا أنها مثيرة لكونها مرتبطة بأحد أعضاء حزب محافظ.
ومما يذكر أن النرويج أصبحت في عام 1993 ثاني بلد في العالم بعد الدانمارك يسمح بالزواج بين الشواذ من الرجال والنساء، ويعطيهم حقوقا تكاد تكون مساوية لحقوق المتزوجين من الأسوياء. ويعارض كثير من المسيحيين وبعض أساقفة الكنيسة اللوثرية في النرويج القانون الذي يسمح بزواج الشواذ.
إن نمط العيش الغربي قد أدى تدريجياً إلى تفكك الأسرة الغربية واختلاط العلاقات داخل الأسرة الغربية من الناحية المالية والمعنوية. وتبع ذلك سقوط للمعايير الأخلاقية التقليدية المعروفة مسبقاً داخل كل أسرة، ولم يعد للزوج الغربي حتى حق الاعتراض على السلوك الجنسي لزوجته.
ولم تتوقف المعايير داخل الأسرة الغربية عند التغير والتبدل المستمرين، بل إن فكرة الأسرة نفسها كمؤسسة اجتماعية يقوم عليها المجتمع السوي قد أخذت في التراجع والانقراض في كثير من المجتمعات الغربية، وباتت وكأنها تنتمي للتاريخ.
وأدت ظاهرة المعاشرة دون زواج شرعي إلى زيادة أعداد الأطفال الذين يولدون ولا يعرف لهم آباء. ولم يكن غريباً وسط كل هذا الركام أن تتزايد حوادث القتل والعنف داخل هذه الأشكال الشائعة من الأسر في الغرب.
ويصف المعهد القومي للدراسات الديموجرافية في باريس في تقريره عن الزواج بأنه أصبح عادة روتينية أقلع عنها كثيرون!، وأنه في عام 1977 على سبيل المثال أصبح فيه حوالي 30 % من علاقات التعايش بين رجل وامرأة تتم بدون زواج، وأصبح زوجان من بين كل ستة أزواج فرنسيين يمارسان العملية الجنسية بطريقة شاذة منافية للطبيعة البشرية، وفي هذا العام بلغ عدد الأطفال الذين يولدون بدون أن يعرف لهم آباء شرعيون 300 ألف طفل.
بل إن المعهد يرفع عقيرته في عام 1999 محذراً من أن الأسرة الفرنسية في طريقها للانقراض، بعد أن ظهر أنه من بين 8.7 مليون أسرة فرنسية توجد فقط 660 ألف أسرة تعيش متكاملة وتحيا حياة مشتركة طبيعية.
كما نجد أن الزواج كأحد أشكال التواصل الاجتماعي يصبح عادة اجتماعية نادرة في فنلندا والسويد والنرويج وغيرها.
وفي المملكة المتحدة تفرض جماعات الشواذ والمثليين أولوياتها على مجلس النواب البريطاني، ففي سبتمبر عام 1957 خرجت لجنة "ولفندون" التي شكلها مجلس النواب بتوصيات لإحداث تعديلات تشريعية حول أوضاع المثليين، وهو ما استجابت له بالفعل بعد ذلك الحكومة البريطانية، وتبعتها بعد ذلك الولايات المتحدة، ومنذ ستينيات القرن الماضي تشكلت في الغرب منظمات السحاقيات واللواطيين، بل وبدأت هذه المنظمات التعاون فيما بينها بدعوى تحقيق حرية الجنس الثالث!
فهل يقود هذا الضلال المجتمع الغربي إلى التلاشي والاضمحلال؟